الحق على بعض منهم وجب أن يثابر على البحث والتأمل بشرط أن لا يعادي غيره ممن يخالفه، ولا يجعل خفاءه عليه سببًا لتفريق الكلمة، بل يعذر كل صاحبه"."
ولقد تحدث الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمة المغني عن اختلاف العلماء مقارنًا بين التعصب الأعمى وبين طريقة السلف الصالح. ثم قال (2) :"ولكن المتعصبين للمذاهب أبوا أن يكون الاختلاف رحمة، وشدد كل منهم في تحتيم تقليد مذهبه .. وقد وقع من الفتن بين المختلفين في الأصول وفي الفروع ما سود صحف التأريخ"، وذكر صورا من ذلك، ثم قال:"فأين هذا التعصب والإيذاء والتفريق بين المسلمين بالآراء الاجتهادية من تساهل السلف الصالح، وأخذهم بما أراده الرحمن من اليسر في الشرع، وانتفاء الحرج عنه، واتقائهم التفريق بين المسلمين بظنون اجتهادية".
واستعرض الكاتب آثار الخلافات السيئة وقال: (3)
كان من آثار التعصب الذي تحدثنا عن شيء منه فيما مضى آثار سيئة، فرقت بين كثير من المسلمين، وأحدثت بينهم فتنًا ومشكلات، هم في غنى عنها. وتقدم أن ذكرنا: أن نهج السلف الصالح معذرة بعضهم بعضا فيما يختلفون فيه، مع حب فيما بينهم، وتسامح وتقارب وتواضع، واعتراف بالعلم لأهله.
والاختلاف إذا أدى إلى التعصب والفرقة فهو الخلاف المذموم الذي كرهه رسول
ـــــــــــــــــــــ
1 -تفسير المنار 2/ 254.
2 -المغني لابن قدامة 1/ 12 - 13.
3 -ص 44 و 45 من الكتاب.
اللّه (صلى الله عليه وآله) ، وقال عنه ابن مسعود (رضي الله عنه) وقد سئل: عبت على عثمان الإتمام في السفر ثم صليت وراءه أربعا:"الخلاف شر كله" (1) .
ومن آثار الخلاف الذي من هذا النوع: أن افترق كثير من الناس وتباعدوا، وبلغ بهم الحد إلى أن يجعلوا في المسجد الواحد أكثر من محراب. كل محراب لأهل مذهب يصلون منفردين عن الجماعات الأخرى، كأنهم أصحاب أديان مختلفة (2) .
ومن الآثار السيئة أيضًا الجمود على مذهب معين، والتعصب له. وأخذ مافي كتب الخلاف قضية مسلمة. كما نقل - إن صح: أن أفغانيا رأى رجلا يرفع سبابته عند التشهد، فضربها حتى كسرها، لأنه يرى أن رفع السبابة محرم استنادا لما هومدون في كتاب الفقه. وهذا من غرائب التعصب الممقوت. ولا سيما أن رفع السبابة مشروع.