فهرس الكتاب
هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه». ولعلّ هذا الصنف يتمثّل في معظمنا معشر الحاضرين أن حفظنا بعض مسائل فقهية فرعية، أو أحاديث نبوية، حفظناها ولمّا نتمكن من ناصية الملكة الفقهية وقواعدها، فأصبح بعض المتأخِّرين يهرفون بما لا يعرفون، يجترّون أو يردّدون قول فلان أو فلان دون فقه أو وعي لما يَرْوُون أو يحفظون. وقد ضرب الله مثلا ولبئس مثل السوء: {مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [1] [30] ، وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صنعا، فضلُّوا من قَبْل وأضلُّوا كثيرا وضلُّوا عن سواء السبيل، أنْ يأخذوا بطرف من ظاهر اللفظ الوارد عن الشارع - وقد يكون منقولا عنه - اعتبارا لجواز رواية الحديث بالمعنى - دون اللفظ - للعارفين بحقائق ومدلولات الألفاظ - وهم دون ذلك- فيحمّلون اللفظَ ما لا يحتمله دون نظر إلى مقاصده وأبعاده الشرعية، فيوقعه ذلك في الطامّة الكبرى - هلاكا وإهلاكا- إذ لم ير إلاّ من سَمِّ الخياط الذي ينظر منه هذا الناظر؛ حيث لم يتحصّل على المرآة المكبّرة الجامعة التي يعلو بها صاحبها على رَبوة أو على طائرة يشرف بها على أوسع رقعة أو نطاق تمكن رؤيته بذلك المنظار المكبِّر، فيرى جبال الأرض، وسهولهَا، وأنهارَها، وبحارَها، ومحيطاتِها، أو شوارعَ المدينة الكبرى مدينةِ الشريعة، وأنْهُجَها، وأزقّتها، وممرّاتِها النافذة، والممرات غير النافذة؛ حتى تتعيّن له وتتحدّد أمامَه القصور، والُدور، والساحات، والبيوت، بل حتّى البيوتات الصغيرة، والأكواخ القزديريّة، والخيام في الحواضر والأرياف.
ذلك هو المثل الذي ضربه العارفون لمن يصدر -في علمه وفقهه- عن معرفة واسعة راسخة بتلك القواعد الفقهية، أوالأصول البعيدة للفقه والشريعة؛ حتّى يغدو ذلك ملكةً أصيلة متمكِّنة، ملازمة له أينما حلّ أو ارتحل، يعبر معه البحر، والنهر، والسهل، والصعب، ويعمرَ به المسجدَ والناديَ، والسوق، والملعب، وتعلوَ أو تعرجَ معه إلى السماء والفضاء الخارجيّ، وينزل معه ويغوص به أعماق البحار والمحيطات.
فأين نحن؟ أو أين بعض المتفيقهين فينا من ذلك؟.
(1) [30] الجمعة، آية 5.