أو دفعا- أصلٌ معتمَد شرعا في كثير من الفروع والمسائل الجزئية. لكن ونحن اليوم نعيش وسط العالم المزدحم بوسائل النقل والمواصلات السريعة وما ينجم عن ذلك من حوادث المرور الفجائية -وما أكثرها بمئات الآلاف- فإذا بصائم امتطى سيارته آمنا مطمئنا غير عازم على الإفطار وأمسك، ولكن أثناء سفره وقع له حادث مرور وكان من ضحاياه فأصابه جرح بليغ أو كسر مبين؛ مِمَّا يقتضي علاجه إفطاره، فهل يُمنع من ذلك الإفطار لمرض بدعوى عدم تبييت النية من الليل، ويُلزم على مواصلة وإتمام الصيام رغم ما يقاسيه من آلام الحادث وجراحه؟، أوَلا يُؤذن ولا يُسمح له إلا بتناول ما يُمسك به رمق الحياة دون الموت وإسلام روحه لباريها، مع إلزامه قضاء يومه بعد ذلك عند البرء والشفاء؟.
كلا إنّ أصلَ وقاعدةَ وكلِّيَّ اليسر في الشريعة المقرَّر في خصوص هذا الموضوع -موضوع الصيام- بقول الله الله - صلى الله عليه وسلم: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [1] [18] . إنّ هذا يقتضي أن يؤذَن لهذا المسافر المريض مرضا مفاجئا بحادث المرور أن يُفطر -مع عدم تبييت النية من الليل- إذْ كان حادثا غيبيًّا عند الله لا يعلمه إلا الله الله - صلى الله عليه وسلم -؛ مِمَّا لم يمكن ولا يمكن تبييتَ نيّةٍ له من الليل.
من هذا المنظور التشريعي ومن هذا الاستقراء وُضعت إحدى كبريات القواعد الفقهية الكبرى، أو أحد الأصول الفقهية البعيدة، أو إحدى كليات الشريعة الإسلامية وصيغت في جملة واحدة مركّبة من ثلاث كلمات تقول:"المشقّة تجلب التيسير"هكذا يحفظها ويعقلها العالم والمتعلّم، الذكر والأنثى، والحرّ والعبد، والحاكم والمحكوم، ويطبّقها في حدود المشقّة -المعتبَرة شرعا- وهي كلُّ مشقَّة زائدة على المعتاد في تأدية ذلك الحكم الشرعيّ. حتّى إنّه يُحكى عن بعض أئمّة المذاهب وكأنّي به أبو حنيفة أنّه قال:"لو شاكتني شوكة لأفطرت لها"، وإن كنّا نتوخّى الوسطيّة في كلّ شيء فلا إفراط ولا تفريط، فلعلّ قول أبي حنيفة -على فقهه- لا يليق بعامة الناس. كما أنّه ليس من الفقه أو الدين في شيء أن يُضطرَّ ولدٌ في بداية تكليفه صام أوَّل رمضان له في أطول أيام السنة صيفا، وفي منطقة من أحر المناطق الاستوائية أو
(1) [18] البقرة، آية 185.