-ما شهد الشرع باعتباره: وهو القياس؛ لأنّ الشرطَ في القياس أن يوجَد الأصل الذي يَعتبر الشارعُ فيه عَيْنَ المصلحةِ أو جِنسَها.
-وما شهد الشرع بعدم اعتباره: أي إلغائه، نحو المنع من زراعة العنب لئلا يُعصر خمرًا.
-وما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء: وهو المصلحة المرسلة؛ أي إنه لا يوجد نصٌّ يشهد بالاعتبار لنوع هذه المصلحة ولا لجنسها، كما أنه لا يوجد نصٌّ يشهد لها بالبطلان [1] [33] .
والمصلحة المرسلة كما قال القرافيُّ: «معمولٌ بها في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرّعون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار، وهم عند التفريع يعلّلون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروع والجوامع بإبداء الشاهد بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرّد المناسبة، وتلك هي المصلحة المرسلة» [2] [34] .
ومن الجدير بالذِّكر في هذا المقام أنّ ما يُبنى من الأحكام الشرعية على المصالحِ المرسلة يتبدّل ويتغيّر عند تغيّر تلك المصالح بتغير الزمان أو المكان، أو الأشخاص. يقول ابن برهان: «وليس كلُّ ما كان مصلحةً في زمان يكون مصلحةً في زمان آخر، ويجوز أنْ يكُون الفعلُ مصلحةً في زمان، ومفسدةً في غيره، وليست الأزمنة متساويةً» [3] [35] .
وتَبَعًا لهذا التغيّر؛ فإنَّ الأحكامَ تتغيّر جلبًا لمصالح الناس، ودرءًا للمفاسد عنهم، وتخفيفًا ورفعًا للحرج عنهم، ولو بقيت تلك الأحكام كما هي لانخرمت مصالِحهم، واعترى الناسَ مشقَّةٌ وحرجٌ، واختلطت مقاصد الشريعة. قال الآمدي في الإحكام: «تغيُّر المصالح واختلافها يقتضي تغير الأحكام واختلافها» [4] [36] . وقال ابن القيم: «إنّ الله يأمر بالأمر في الوقت الذي يعلم أنّه مصلحة فيه، ثم ينهى عنه في الوقت الذي
(1) [33] شرح تنقيح الفصول، ص 446.
(2) [34] شرح تنقيح الفصول، ص 448.
(3) [35] الوصول إلى الأصول، لابن برهان، 1/ 158، 175.
(4) [36] الإحكام في أصول الأحكام، 2/ 380.