الصفحة 110 من 115

و المعنى العام للقاعدة أن حالة الضرورة التي يكون الإنسان فيها تبيح له تناول المحرم عليه شرعًا، وفق شرط و قيود سنذكرها إذ أن هذه الإباحة التي تجبها حالة الضرورة ليست على عمومها، ولا على إطلاقها كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى.

293 -دليل القاعدة:

أما دليل هذه القاعدة: فالنصوص الكثيرة في كتاب الله العزيز منها: قوله تعالى: [إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم] [البقرة: 173] ، و جاء في تفسير هذه الآية: (( فمن اضطر ) )إلى شيء من هذه المحرمات، و المضطر هو المكلف بالشيء الملجأ إليه المكره عليه، و المراد هنا من خاف التلف، و المضطر إما بإكراه أو بجوع في مخمصة ... إلخ

294 -ما تبيحه الضرورة من المحظورات، و ما لا تبيحه:

يباح للمضطر تناولها دفعًا للهلاك عن نفس المضطر، و قد ذكرنا قوله تعالى: [إنما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم] .

و قول المفسرين أيضًا في هذه الآية قول الإمام القرطبي: فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرمات، لعجزه في جميع المباحات.

و قال أيضًا في قوله تعالى: [إلا ما اضطررتم إليه] : يريد من جميع ما حرم، كالميتة و غيرها، و قال ابن قدامة الحنبلي في المغني بعد أن بين إباحة الأكل من الميتة عند الاضطرار: (( و كذلك سائر المحرمات ) ).

296 -ثانيًا:

و بالنسبة للاضطرار إلى مباشرة المحظور من الأدوية و غيرها في حالة المرض كالنظر إلى العورات و لمسها، فالقاعدة هنا الجواز مع بعض التحفظات عند بعض الفقهاء.

297 -ثالثًا: إباحة النطق بالكفر عند الاضطرار إليه بالتهديد بالقتل إن لم ينطق المكره بذلك، و الأصل في جواز ذلك للضرورة، قوله تعالى: [من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره و مطمئنٌ بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله و لهم عذابٌ عظيمٌ] [النحل: 106] و قد قال أهل التفسير في هذه الآية: نزلت في عمار بن ياسر، أخذه المشركون و أباه و أمه و أخذوا يعذبونهم و يكرهونهم على الكفر، فأعطاهم عمار بعض ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فشكا ذلك إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) ، فقال له: (( كيف تجد قلبك ) )؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال عليه الصلاة و السلام: (( فإن عادوا فعد ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت