فهرس الكتاب
علمًا بأن النطق بالكفر عند ضرورة الإكراه رخصة لا عزيمة؛ لأن العزيمة عدم النطق بالكفر، و لو أدى إلى موت المكره، و النطق بكلمة الكفر للضرورة مع اطمئنان القلب بالإيمان هو نطق للضرورة فهو رخصة، و الأخذ بالعزيمة لمن استطاعها أولى، و إذا قتل بسبها فهو شهيد؛ لأنه موت في سبيل الله فهو ضرب من ضروب الجهاد بالنفس، و المقتول في هذا الجهد شهيد باتفاق الفقهاء.
298 -رابعًا: جواز الكذب و الحلف عليه عند الضرورة:
الكذب حرام في شرع الإسلام، فإذا كان مع الحلف كان أشد تحريمًا، و لكن مع هذا يجوز الكذب و الحلف عليه لضرورة تخليص نفس بريئة من الهلاك أو امرأة يريد الزنا بها فاختفيا عند أحد من الناس، جاز لهذا إنكار وجودهما عنده، و الحلف على ذلك، و كذلك يجوز للوديع إنكار الوديعة و الحلف على إنكاره إذا طلبها ظالم متغلب باغ؛ لأن مفسدة الكذب أهون من مفسدة القتل و الزنا و غصب المال و الضرورات تبيح المحظورات، و الضرر الأشد يدفع بتحمل الضرر الأخف، بل إن الكذب في هذا الموطن واجب دفعًا للإثم، قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: و لو صدق في هذه المواطن -التي ذكرناها- لأثم إثم المتسبب إلى تحقيق هذه المفاسد.
299 -خامسًا: أخذ مال الغير للضرورة:
و يجوز عند الضرورة أخذ مال الغير أو إتلافه بل و أخذه قهرًا و جبرًا على صاحبه إذا امتنع من بذله، و لم يكن بحاجة إليه، و على المضطر أن يدفع ثمن ما أخذه من مال الغير بسب الضرورة؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير.
300 -سادسًا: الضرورة لا تبيح قتل النفس:
ولا تبيح حالة الضرورة قتل نفس بريئة، أو فعل الفاحشة بامرأة، فلو أكرخ شخص على ذلك بالتهديد بالقتل، إن لم يفعل ما أكره عليه من قتل معصوم الدم أو الزنا بامرأة، لم يجز له فعل ذلك، وتعليل ذلك أن نفس البريء معصومة كنفس المكره، وليس إبقاء حياته وتخليصها من الهلاك بأولى من إبقاء حياة غيره، فيكون قتله هذا الغير بغير حق، والله تعالى يقول:"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"، وكونه مضطرًا إلى إتلاف نفس الغير إبقاءً لحياته لا ييبرر له هذا الاضطرار ارتكاب هذه الجريمة؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير بالحياة.
وكذلك لا يجوز للمكره على الزنا ارتكاب هذه الفاحشة بحجة الاضطرار إليها بإكراهه عليها بالقتل، إن لم يفعل؛ لأن الزنا لا يباح لرجل لا بالإكراه ولا بغيره وإذا فعله فهو آثم، ولكن المرأة إذا أكرهت إكراهًا ملجئًا على الزنا، ولم تستطع دفعه وسعها أن تمكن من نفسها، ووجه الفرق بين الرجل والمرأة: أن الرجل مباشر لفعل الزنا مستعمل آلته في ذلك، وحرمة الزنا حرمة تامة لا تزول في حالة الإكراه بالقتل، ولا يسقط الإثم عن مرتكبه، أما المرأة فهي المفعول بها وليس من جهتها مباشرة الفعل، وإنما الذي منها هو التمكين فقط من ذلك بالاستسلام والعجز عن الامتناع وتركه، وفي