الصفحة 59 من 115

د-وأخرج مسلم في صحيحه أن عائذ بن عمرو- وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن شر الرعاء الحطمة ) )فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. وقوله: إنما أنت نخالتهم، يعني: لست من فضلائهم وعلمائهم وأهل المراتب منهم بل من سقطهم، والنخالة هنا استعارة من نخالة الدقيق وهي قشوره، وقوله: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم و في غيرهم ... و هذا من جزل الكلام و فصيحه و صدقه الذي ينقاد له كل مسلم , فإن الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوة الناس و سادة الأمة و أفضل ممن بعدهم و كلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم و إنما جاء التخليط ممن بعدهم , و فيمن بعدهم النخالة , و قوله صلى الله عليه و سلم: (( إن شر الرعاء الحطمة ) ), هو العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها و مرعاها , بل يحطمها في ذلك و في سقيها و غيره و يرحم بعضه ببعض بحيث يؤذيها و يحطمها.

144 -معنى القاعدة:

جاء في شرح هذه القاعدة: لما كان لإمام المسلمين ولاية نظارة على عموم الرعية في الأمور العامة كان تصرفه على الرعية منوطًا بالمصلحة العامة و لهذا يجب أن تكون أوامره و أوامر أولي الأمر و النهي موافقة لمصالح الرعية , لأن السلطان إنما أعطي السلطة لمصلحة العباد , صيانةً لدمائهم و أعراضهم و أموالهم. و الرعيةهم من كانو تحت من ولاه الشرع رعايتهم و الولاية عليهم , فيدخل في مفهوم الراعي , السلطان و القاضي , و سائر ولاة الأمور من سائر العمال و الموظفين و كل من له ولاية على غيره , فمن يلي من أمور الناس شيئًا فعليه أن يتصرف فيها التصرف الذي يحقق المصلحة لهم , لأنه ما ولي عليهم و ما أعطى السلطة في حدود ولايته إلا لخدمة من هم تحت ولايته و إقامة العدل فيهم و تحقيق المصلحة و الخير لهم , و على هذا فإن نفاذ تصرفات ولي الأمر (السلطان و من دونه من ولاة الأمر) لا تنفذ شرعًا إلا إذا كان المراد منها تحقيق المصلحة للناس , و قال الفقيه ابن نجيم: إذا كان فعل الإمام مبنيًا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة لم ينفذ أمره شرعًا إلا إذا وافقه , فإن خالفه لم ينفذ.

145 -فروع و تطبيقات القاعدة:

أ لا يجوز لولي الأمر أن يعين في الوظائف العامة إلا الكفؤ الأمين , فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (( من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلاَ و هو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله و رسوله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت