ملامة على الذين رأوا رأيًا ظهر عجزه أو خطأه، فيما بعد، كما ليس فيه تجريح لهم أو بممارستهم.
إن المسائل الاجتهادية قابلة للأخذ والرد وقد يفتي الإنسان اليوم بفتوى ثم يرجع عن فتواه في الغد إذا تبين له ما هو أولى.
والرجوع إلى ما يعتقده الإنسان حقًا بعد الدراسة والتأمل والمشورة فضيلة من الفضائل يحمد عليها صاحبها. والعقلاء من الناس هم الذين لا يصرون على رأي في أمور اجتهادية قد تختلف في الأنظار.
وعندما نراجع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نراه قد نهى أصحابه عن أشياء لظروف تقتضي هذا النهي ثم أباحها لهم لمقتضيات تقتضي الإباحة.
ومن الأحاديث التي تشهد بذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وأبو داوود والترمذي وابن ماجه في سننهم عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كنت نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة-أي عظة وعبرة - ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم - أي: إلا في أوعية الجلد-فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث - أي: عن إبقاء لحمها أكثر من ثلاثة أيام-فكلوا وادخروا واستمتعوا بها في سفركم."
ومن وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأحد القضاة: (ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) .
ومن المأثور عنه رضي الله عنه أنه حكم في واقعة بحكم ثم حكم في مثلها بحكم آخر فلما راجعه بعض الصحابة قال: (ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي) .
ومن أقوال الإمام أبي حنيفة:"رأي هو أحسن ما عندنا فمن جاءنا بخير منه قلناه".
ومن القصص المشهورة أن العز بن عبد السلام، رحمه الله، أفتى سائلًا بفتوى معينة فلما انصرف السائل تبين للعز أنه قد أخطأ في فتواه فأمر مناديًا ينادي في طرقات المدينة: من سأل العزّ بن عبد السلام في مسألة كذا فليرجع إليه فإنه قد أخطأ في إجابته.
فهذه الأمثلة وسواها تدل دلالة واضحة على أن الإنسان العاقل إذا حكم ثم تبين له أن الأوفق خلافه رجع عن الحكم الأول إلى الثاني ولا حرج [1] .
(1) - لطفًا مراجعة مقدمة نشرة حجة وقف بيت الزكاة في طرابلس ولبنان الصادرة عن البيت بتاريخ 1420/ 2000