وعلى هذا ولما كان أمر التعديل والتبديل مما فطر الله عليه الإنسان وجماعاته ومما أولاه الفكر الإسلامي الاجتهادي فائق عنايته ورعايته فكان لزامًا على الواقف منح ذلك الأمر الطبيعي إلى الحجة واعتبار إمكان التعديل فيها أمرًا واردًا ضمن ضوابط يحددها الواقف ويؤخذ بشرطه في التعديل في بعض حجته دون تردد طالما التزم الضوابط المنصوص عنها في الحجة.
وإزاء هذه الرحابة يأتي إعلان الوقف الخيري بتحديد وجهته وأسلوبه ضمانًا لبقاء الالتصاق والاستمرار بين الحضارة الإسلامية وقيام مؤسسات خيرية جديدة ودفع المجتمع والسلطات فيه للتعامل مع هذه الشخصية المعنوية المغايرة في أسلوبها وطريقتها مع إعلان المؤسسات المدنية المعتاد كالجمعيات.
تجربة وقف بيت الزكاة في طرابلس ولبنان
وكتجربة لبنانية في استخدام صيغة الوقف أسلوبًا لعمل خيري متعدد الجوانب، نعطي وقف بيت الزكاة في طرابلس ولبنان تجربة رائدة في هذا المجال ومثلًا تطبيقًا على ما ذكرناه. فبيت الزكاة اليوم وقف خيري مستقل عن دوائر الأوقاف الرسمية وإن يكن مرتبطًا بسماحة مفتي الجمهورية باعتباره رئيسًا دينيًا أعلى له، والوقف معلن في محكمة طرابلس بالوثيقة الشرعية بتاريخ 19/رجب /1411 الموافق له 4/شباط /1991. وقد عدلت هذه الحجة مرتين: مرة بتاريخ 11/ 4/1996 تحت رقم 462/ 441 وأخرى بتاريخ 4/ 3/1421 الموافق له 6/ 6/2000.
وبيت الزكاة يمارس عملًا هو فريضة إسلامية متوجبة في أموال جميع الذين ملكوا النصاب لصالح مستحقين عينهم الرحمن الرحيم. ولا فضل للبيت في رسم هدف أو تعيين مستحق إلا بالقدر الذي يظهر ذلك الحق، أو يرسم ذلك الاستحقاق، أو يبدع أسلوبًا أو طريقة تشجع أهل الخير في التزام الحق وعدم اتباع الهوى وتنمية حب الإنفاق في نفوسهم فيبذلون غير الزكاة صدقة أو صدقة جارية أو وقفًا أو تبرعًا وعطاء أو مساهمة ما في العمل الخيري الضروري لمجتمعاتنا وبلادنا خاصة في ظل ظروف صعبة ومعقدة. والبيت بذلك ليس جمعية من الجمعيات بل هو مرفق عام أردنا إعلانه وقفًا خيريًا عام المنفعة إحياء لسنة الوقف وحفظًا لأمواله وأملاكه التي ورد ثمنها أصلًا تبرعًا لأهداف محددة مثلها ويمثلها البيت في الوجوه الخيرية العديدة التي من الواجب تطويرها والعناية بها وتنميتها وجعلها جميعًا في مصالح المسلمين العامة، وبخاصة أولئك المستحقين الذين أنزل الله فيهم قرآنًا.
وقد يأتي هنا السؤال: كيف يمكن أن يكون بيت الزكاة وقفًا، وهل من تعارض بين فقه الزكاة وفقه الوقف؟