فهرس الكتاب
يسمى إضمار، {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تقدير الكلام: فصيام عِدَّة من أيام أُخر، إذًا هذا إضمار، إذا أتانا لفظ ففسره بعض الناس بالاستقلال وعدم الحاجة للإضمار وفسره آخرون أن المراد به معنى فيه إضمار، حينئذ نقول: لا نحتاج للإضمار مع قدرتنا على جعل اللفظ مستقلا، ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [1] فسره بعضهم بفعل منسوب إلى الله جلّ وعلا هو الإتيان وقال آخرون: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، فقدَّروا لفظا وهو أمر الله، فأيُّهما أرجح؟ نقول: المعنى المستقل أرجح من المعنى المضمر، ويدل على هذا قوله جلّ وعلا {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [2] ففرَّق بينهم وغَايَر بحرف العطف مما يدل على أن هذا معنى وهذا معنى وأنه لا يصح تفسير أحد الموطنين بمعنى الآخر.
قال المؤلف: وعلى إطلاقه دون تقييده، المراد بالقيد: الصفات الزائدة عن أصل الماهية، مثال ذلك: لما قلت: ائتني برجل كاتب طويل قوي، اسم الماهية رجل ولكن قيدتها بصفات أخرى، فهذه القيود تسمى قيودا، لو قلت: أعط أي رجل ريالا؛ هذا مطلق لأنه غير مقيد الصفات، فإذا قلت: أعط أيَّ رجل كاتب فاهم يتمكن من جواب الأسئلة التي توضع ريالا؛ فحينئذ قيدته بهذه القيود فإذا جاءنا اللفظ مطلقا غير مقيد فلا يصح أن نقيده من عند أنفسنا إلا بدليل؛ ولا يصح لنا أن نحصر دلالة المطلق في بعض أفراده، مثال ذلك قوله تعالى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لو أتانا وقال: من شوال! {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} هذا مطلق لم يذكر زمانه، فإذا أتانا آت وقال: يجب ان يكون القضاء في شهر شوال، قلنا: هذا تقييد بدون أن يأتي عليه دليل، والأصل أن الألفاظ المطلقة نحملها ونفسرها بمعنى يتناسب مع إطلاقها ولا نقيدها إلا بدليل.
قال: وعلى أنه مؤسس للحكم لا مؤكد، إذا جاءنا لفظ في الكتاب والسُّنّة ووقع التردد والاختلاف فيه هل هو مؤكد لحكم سابق أو أنه يقرر حكما جديدا؟ الأصل أن كل لفظ يدل على حكم جديد، ولا نحمله على تأكيد الحكم السابق إلا بدليل، ومن هنا نقول في مثل قوله جلّ وعلا فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ
(1) البقرة: 210.
(2) الأنعام: 158.