فهرس الكتاب
وَعَشْرًا [1] في الآية الأولى حَوْلٌ وفي الآية الثاني أربعةُ أشهر وعشرا، وقال آخرون: الآية الأولى في السُّكْنى والآية الثانية في العدة - الإحداد-، وبالتالي فكلا الآيتين محكم باق لم ينسخ، فالقول الثاني أقوى من القول الأول، لم؟ لأنه يؤدي إلى القول بأن النصوص مازالت باقية محكمة غير منسوخة، ومثل هذا أيضا النصوص الدالة على العفو الإحسان فإن طائفة قالت: بأنها منسوخة بآية القتال - آية السيف -، وطائفة قالوا: بأنها محكمة لا زالت باقية، ولكل ظرفه، القول الثاني يؤدي بقاء آيات كثيرة محكمة لتؤخذ منها الأحكام إلا إذا ورد دليل يدل على خلاف ما تقدم، فإذا وردنا دليل يدل على أن اللفظ لا يُرَادُ به حقيقتُه عَمِلْنَا بمقتضى ذلك الدليل، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [2] فإن حقيقته الوجوب؛ لكنه وجد عندنا دليل يدل على عدم تفسيره بحقيقته وتفسيره بمعنى آخر هو الندب والاستحباب، ما هو الدليل الآخر؟ هو أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم باع ولم يشهد [3] ، ومثله قوله جل وعلا {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [4] فظاهره أن القراءة تكون أولا ثم تكون الاستعاذة، ولكن تُرِكَ هذا لقيام الدليل بكون النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستعيذ قبل قراءته، فتركنا الحقيقة هنا لقيام الدليل، وهكذا الألفاظ العامة الأصل أن نحملها على عمومها إلا إذا ورد دليل يدل على التخصيص، مثلا في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [5] المطلقات اسم جمع معرف بالألف واللام فيفيد العموم لجميع المطلقات، ثم وردنا نصوص أخرى استثنت وخصصت بعض أفراد اللفظ العام، منها في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [6] فاستثنينا المطلقة قبل الدخول بها، لا يجب عليها عدة، كذلك استثنينا المرأة الحامل
(1) البقرة: 234.
(2) البقرة: 282.
(3) انظر تفسير القرطبي (403/ 3) .
(4) النحل: 98.
(5) البقرة: 228.
(6) الأحزاب: 49.