فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 94

مصلحة، لكن لا يمكن أن يُعيَّن الجميع فيها؛ فيوازن بينهم، ومن ذلك تزويج الخطاب؛ فإذا تقدم للرجل خاطبان وأكثر - كل منهما كفء - يطلب الزواج بموليته حينذاك تعين عليه أن ينظر فيهما ويقارن بينهما ويوازن من هو أكثر مصلحة لموليته منها، ولا يمكن الجمع بين المصلحتين هنا.

وفي مقابل هذا ما لو عجز عن الانفكاك عن المفسدة إلا بارتكاب أخرى، فحينئذ يُوازِن بين المفسدتين ويرتكب الأخف مفسدة من أجل درء الأعلى، ومن أمثلة ذلك: في باب النفقات؛ إذا لم يكن لديه إلا مال قليل لا يتمكن به من الجمع بين نفقة الوالد والوالدة؛ وبالتالي هنا مفسدتان، أولاهما ترك نفقة الوالدة والثانية ترك نفقة الوالد فيوازن بينهما، وهكذا أيضا لو وجد عندنا إنسان يعجز عن أداء الصلاة بكامل أركانها فيقول: إما أن أقف فأتمكن من الركوع والقيام لكن لا أتمكن من السجود فأجلس على الكرسي، وإما أن أكون على الأرض فأتمكن من الجلوس والسجود ولكن لا أتمكن من القيام، فعندنا مفسدتان، فالأولى ترك السجود والثانية ترك القيام فنوازن بينهما فنرتكب الأدنى مفسدة من أجل درء الأعلى منهما، في هذه الحال نقول: مفسدة ترك السجود أعظم، وذلك لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد رخص للعاجز بترك القيام، ولأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النفل كان يترك القيام من أجل المحافظة على السجود، وبالتالي نقول محافظتك على السجود أولى، فإن ارتكابك لمفسدة ترك القيام أحسن من ارتكابك لمفسدة ترك السجود، والموازنة بين المفاسد والمصالح لها قواعد في الشريعة وليست أمرا اعتباطيا، ومن أمثلة القواعد التي يتم وزن المصالح والمفاسد بها قولهم: المتعدي أفضل من القاصر، يعني ما تعدى نفعه إلى الآخرين أفضل مما قصر نفعه على على النفس، ومنها قولهم: الفضيلة المتعلقة بذات العبادة خير من الفضيلة المتعلقة بظرفها، ولذلك قلنا في الأول بأن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة لأن نفعها متعدي، وقلنا عن مثل الثاني بأنه إذا طاف بالبيت استحب له القرب من الكعبة واستحب له الرمل فإذا عجز عن الجمع بينهما قلنا: قَدِّم مراعاة القرب منهما؛ لأن القرب من البيت فضيلة متعلقة بظرف العبادة، بينما الرمل فضيلة متعلقة بذاتها.

ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى: وهي مسائل اشتباه المباح بالمحرم، إذا وجد عندنا مباح ومحرم؛ فما هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت