فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 94

إباحة وهو الكلب المعلم فغلبنا جانب التحريم، وقال: «إذا صدت بسهمك فوجدته غريقا فلا تأكل» [1] فهنا اجتمع سببان، سبب مبيح وهو الصيد بالسهم وسبب تحريم وهو الغرق فَغُلِّبَ جانب التحريم.

وفي كلام المؤلف إشارة إلى أن المحظورات تُستباح في حال الضرورات، والمراد بالضرورة ما يلحق المكلفَ ضررٌ بفقده ولا يقوم غيره مقامه، وهذه قاعدة في الشريعة أن الضرورات تبيح المحظورات كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [2] وكما قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [3] ، هناك نصوص كثيرة تدل على هذا المعنى، ولكنّ هذه القاعدة لها شروط فلا يصح إعمالها حتى تتحقق شروطها، فمن شروطها: أن تكون الضرورة متحققة، فإن كانت الضرورة متوهَّمة لم يجز ارتكاب المحظور من أجلها، ومن شروط القاعدة أن تكون الضرورة أعظم من المحظور، ومن شروط القاعدة أن لا يُتجاوز في المحظور إلا بقدر ما تندفع به الضرورة، ومن شروط القاعدة أن لا يمكن دفع الضرورة بطريق آخر غير المحظور، ونضرب لهذا مثلا فيما يتعلق بالكشف الطبي على النساء، كشف الرجال الأطباء على النساء المريضات، فإن الكشف الطبي قد يقال بأنه ضرورة يُستباح بها المحظور، وبالتالي لا بد من مراعاة الشروط السابقة، فأول ذلك أن يكون هناك تحقق لوجود الضرورة، فلو كان الأمر مجرد كشف من أجل التحقق من عدم وجود الأمراض فحينئذ فلا توجد ضرورة ولا ضرر هنا، ولو كان الكشف من أجل التعلم فهنا لا ضرورة، يعني لا يستباح بها هذا المحظور، وهكذا لو وُجِد طبيبة لم يصح للرجل أن يكشف عن المرأة لأن الضرورة هنا يمكن درؤها بأمر غير محظور، ولو كان الامر يسيرا لم يصح أن تكشف المرأة عورتها عند الطبيب؛ لأن المحظور أعظم من الضرورة، ولا يفعل من المحظور إلا بقدر ما تندفع به الضرورة؛ فإذا كان المرض في القدم لم يصح أن تكشف ما عدا ذلك.

ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى تتعلق بالأوامر وهي أن الأصل في الأمر يقتضي الفورية، والمراد بالأمر:

(1) صحيح مسلم (1929) .

(2) الأنعام: 119.

(3) البقرة: 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت