فهرس الكتاب
الحكمة وينتفي الحكم لأمور يلاحظها الشارع بخلاف العلل، ولذلك ينبغي بنا أن نفرق بين الحكمة والعلة، وأضرب لذلك مثلا: جاء الشارع بقطع يد السارق لقوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [1] ما الحكم؟ وجوب قطع يد السارق، ما العلة التي يرتبط الحكم بها؟ هو وصف السرقة، ما هي الحكمة من ذلك؟ حفظ الأموال، عندنا حكمة هي حفظ الأموال وعلة هي السرقة وحكم هو وجوب القطع، والحِكَم على نوعين:
النوع الأول: المعاني الكلية التي تكون بأحكام كثيرة، والنوع الثاني الحِكَم الخاصة، والنوع الأول يسمى مقاصد الشريعة، علماء الشرع يعتنون بها، لكن لو قال قائل: هل تُبنى الأحكام على الحكم؟ فنقول: الحِكَم على نوعين: منها منضبط فيصح أن تُبنى عليه الأحكام، ومنها ما لا ينضبط فلا يصح أن تُبنى عليه الأحكام، ومن أمثلة ذلك: المشقة حكمة، طاعة الشريعة دفعها بإباحة الفطر في السفر والجمع بين الصلاتين والمسح على الخفين ثلاثة أيام، لكن المشقة حكمة لأنها غير منضبطة فليست واضحة المعالم، فيقع التردد في إثباتها أو نفيها في بعض محالها، ولذلك لم يصح بناء الأحكام عليها، وبعض المُلَبِّسِين الذين يريدون خطأ الناس في الأحكام الشرعية قد يظهرون لهم الحكم ويبنون عليها الأحكام فيقع لبسٌ كبير في هذا الباب، وأنا أضرب لكم مثلين: المثل الأول أن من الحِكَم التي سعى الشارع لتحقيقها اجتماعُ الناس، فلو قال قائل: نسعى إلى اجتماع الناس ولو كان على باطل، أو أن يجتمع الناس ولو اختلفت مقاصدهم ومطاليهم، فحينها نقول: هذا يؤدي إلى شر عظيم، لأنه وإن اتفقوا في أول الأمر على مجرد الاجتماع لكنهم في آخر الأمر سيؤدي إلى تنازعهم واختلافهم، وكثير من الاختلاف والتنازع في الأمة أول ما بدأ من رغبة في الاجتماع المجرد بدون أن يكون ذلك الاجتماع مبنيا على الأسس الشرعية، والمثل الثاني في مسألة المشقة وبناء الفطر في رمضان عليها، قد يتوسع في هذا حتى يُدَّعى حصول المشقة في وقائع الناس فيما يؤدي إلى إلغاء هذا الحكم، وسمعنا من دعا إلى ترك الصيام لأنه يؤثر على قدرة الأمة في العمل والإنتاج، ومن دعا
(1) المائدة: 38.