فهرس الكتاب
إلى ترك ذبح الأضاحي بدعوى مراعاة مقصد الشريعة في الاقتصاد وترك الإسراف، ومن الأحكام الشرعية الوضعية حُكْم العلة، المراد بالعلة الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل من ربط الحُكْمِ به مصلحة شرعية، ولا يلزم أن تكون العلة معنى مقصودا للشارع؛ إنما مقصود الشارع ترتيب الحُكْمِ عليها، ومعرفة أحكام العلل وبناء الأحكام عليها أكبر ما يميز العلماء بعضهم عن بعض، فتتفاوت درجات الفقهاء بتفاوت قدرتهم على استخراج العلل وبناء الأحكام عليها، وأكثر ما يقع من الزلل في الاجتهاد ينشأ من الزلل في العلل، ولا يظن ظان أن مبحث العلة يقتصر على مباحث القياس فقط، بل هو في الأحكام المنصوصة كما هو في الأحكام المقاسة، فمثلا في الآية السابقة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} هنا نحتاج إلى استخراج العلة، ونحتاج إلى تطبيق العلة على محالها، فيأتيك الفقيه فيقول: الطرَّاق: سارق ام ليس بسارق، والنبَّاش سارق أم ليس بسارق، وفي عصرنا يأتي من يقول: من يأخذ الأموال من الحسابات البنكية بواسطة الشبكة العالمية هل يُعد سارقا أم لا يعد سارقا؟ فهذا اجتهاد في العلل، والنظر في العلة يفيد الإنسان اليقين بأن هذه الشريعة كاملة مستوفية لأفعال العباد بالأحكام، ولذلك قال المؤلف: ويَعُمُّ الحكمُ بعموم علته، لأن العلة إذا كانت عامة شملت أفرادها، والعلل منها ما هو متمحض معروف ويقع الاجتهاد في تنزيلها على جزئياتها كمثل قوله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [1] فيأتي من يطبقها على محالها، فلان عدل وفلان ليس بعدل ويعرف العدالة وشروطها ومنافياتها، والاجتهاد في العلل يكون من أهل الاختصاص، ولكنه في مرة يكون من اختصاص الفقهاء، وفي مرة يكون من اختصاص الأطباء وفي مرة يكون من اختصاص المكلف أيا كان، لعلنا نقف على هذا.
أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، كما أسأله جلّ وعلا أن يصلح أحوال الأمة وأن يردها إلى دينها ردا جميلا، هذا والله أعلم، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
(1) الطلاق: 2.