فهرس الكتاب
ومثل هذا: كونه صلّى الله عليه وسلّم قد دخل من باب بعينه ودخل مكة من أعلاها [1] وكونه صلّى الله عليه وسلّم وقف في ذلك الموقف الذي وقفه في عرفة أو بات في ذلك الموطن من مِنَى ومزدلفة، فهذه المواطن ليست مخصوصة لذاتها وإنما بات فيها لكونها من مزدلفة أو مِنَى، وبالتالي جميع مواطن منى ومزدلفة تتحقق السُّنَّة في المبيت فيها، ولا خاصية لتلك المكان الذي بات فيه صلّى الله عليه وسلّم، ومثل هذا كونه صلّى الله عليه وسلّم كان يلبس الخاتم، فإنما لبسه لما قيل له بأن ملوك زمانه لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختومًا [2] ، فإنما لبسه لأمر عادي وليس لأمر عبادي، فلا يُشرع لنا الاقتداء به صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، وهكذا قد يوجد مع الفعل قرينة تدل على أن ذلك الفعل واجب مثل أفعاله صلّى الله عليه وسلّم التي وقعت بيانا لواجب كما في المناسك عندما قال: «لتأخذوا عني مناسككم» [3] وكما في الصلاة عندما قال «صَلّوا كما رأيتموني أصلي» [4] وهكذا في وقوفه صلّى الله عليه وسلّم في خطبة الجمعة وجلوسه بين الخطبتين؛ فإن هذا قد وقع بيانا للأدلة الموجبة لخطبة الجمعة، فنأخذ منه وجوب هذه الأفعال، والأصل أن أمّته أسوة له - أي تقتدي به في الأحكام - ولا يُنْتَقَلُ عن هذا الأصل إلا بدليل يدل على أن هذا الفعل خاص به صلّى الله عليه وسلّم.
والنوع الثالث من أنواع السُنَّة: إقراره صلّى الله عليه وسلّم، فإذا رأى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلا من أتباعه يفعل فعلا من الأفعال العادية فهذا يدل على إباحة ذلك الفعل وعدم المنع منه، ومن أمثلة ذلك كون النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أقرَّ أصحابه على بعض الأنواع من الألبسة، وكون النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ بعض أصحابه على شيء من المطاعم مثل أكل الضبّ، أو كونه صلّى الله عليه وسلّم قد أقرَّ بعض أصحابه على بعض الأسفار، ومن ذلك ما لو أقرَّ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحد أصحابه على عبادة من
(1) صحيح البخاري (1577) .
(2) صحيح البخاري (65) .
(3) صحيح مسلم (1297) .
(4) صحيح البخاري (631) .