فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 94

عليه وسلّم حتى قال رجل: ما أكثر أن يؤتى بهذا الرجل [1] ، مما يدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يقتله، فهنا فعل نبويّ وهناك قول، فعملنا بالفعل هنا ورجّحناه لوقوع الإجماع عليه، مما يدل على أن الجملة السابقة في قوله: تقديم الأقوال على الأفعال ليست على الإطلاق بل نحاول الجمع ونبحث عن أدلة أخرى، والإجماع قد يكون نطقيا بأن ينطق جميع العلماء، وقد يكون فعليا وقد يكون الإجماع سكوتيا بأن يتكلم البعض ويسكت البقية فهذا أيضا من أنواع الإجماع لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم» [2] فلا بد أن يوجد في كل عصر قائل يقول بالحق ولا يكون خفيا، والإجماع السكوتي يستدل به في مسائل فقهية كثيرة، من ذلك مثلا أقوال الصحابة التي انتشرت في الزمان الاول ولم يوجد لها مخالف؛ فإنها تكون إجماعا سكوتيا، ومن أمثلة ذلك مثلا: إيجاب البدنة على من جامع في الإحرام قبل التحلل الأول، فإيجاب البدنة ليس فيه حديث وإنما فيه أقوال لبعض الصحابة انتشرت في الامة كابن عمر وابن عمرو وابن عباس وجماعة ولم يوجد لهم مخالف في زمانهم؛ فكان إجماعا سكوتيا، ومن ذلك أيضا ما ورد عن ابن عباس أنه قال في الحج: «من ترك نسكا؛ فعليه دم» [3] فابن عباس مفتي الصحابة في المناسك وفي مكة وقوله ينتشر ولم يوجد له مخالف؛ فكان ذلك إجماعا سكوتيا، وقد يكون الإجماع مسبوق بخلاف قبله، وبالتالي يكون الإجماع المتأخر حجة على الصحيح يجب العمل به، ومن أمثلة ذلك أن الصحابة اختلفوا في المُتوفى عنها الحامل كيف تعتدُ؟ فقال طائفة: تعتد بوضع الحمل، وقال آخرون: تعتد بأطول الأجلين من الأربعة أشهر أو من وضع الحمل، ثم وقع الإجماع بعد ذلك على أن المتوفى عنها الحامل تعتد بوضع الحمل، ثم وقع الإجماع بعد ذلك أن المتوفى عنها الحامل تعتد بوضع الحمل ولو وضعت الحمل بعد يوم أو ساعة من وفاة زوجها لحكمنا بأن عدتها انتهت، ومما يستفاد منه في هذا الباب أنه لا يجوز لنا إحداث أقوال جديدة في المسائل التي تكلم فيها

(1) صحيح البخاري (6780) .

(2) سبق تخريجه.

(3) صحيح موقوفا. الموطأ (188) . الإرواء (1100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت