فهرس الكتاب
يلزم من القول في إحداهما القول في الأخرى لأن المسألتين متغايرتان والقول بأن كل من قال بحجية قول الصحابي قال بتخصيص العموم به؛ لا يصح، بل هناك من العلماء من الأصول الأول من قال بحجية قول الصحابي ومع ذلك قال بأن العموم لا يُخصص به، إذا اختلف الصحابة ماذا نعمل؟ نبحث عن الأدلة ونرجح المسألة بين أقوالهم بحسب الأدلة الواردة فيها، ومن المسائل المتعلقة بهذا: إذا خالف رأي الراوي روايته مثال ذلك: روى الصحابي الجليل أبو هريرة أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا-إحداهن بالتراب» [1] ثم سُئل أبو هريرة عن هذه المسألة فأمر بالغسل ثلاثًا [2] ، فنقول: روايته مقدمة على رأيه، لماذا لأن روايته قول المعصوم فتكون مقدمة على قوله، هل يُطعن في أبي هريرة أو الراوي بسبب ذلك؟ نقول: لا، لأنه قد ينسى الدليل وقد يخفى عليه وقد تقوم عنده شبهة في هذه المسألة، وبالتالي لا يصح أن يُتكلم في الراوي بسببها، ومن مسائل هذا الباب أن الراوي إذا روى حديثا ثم فسر ما رواه بأحد معنيين، فإننا نفسر ذلك الخبر بذلك التفسير، مثال ذلك: قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» [3] ما المراد بالتفرّق؛ هل المراد به التفرّق بالأبدان؟ - كما قال أحمد والشافعي - أم المراد به التفرق بالأقوال - الإيجاب والقبول بين البائع والمشتري - فإنه ينتفي الخيار - كما قال أبو حنيفة ومالك - قولان، ثم وجدنا أن الصحابي الراوي لهذا الخبر وهو ابن عمر رضي الله عنهما فسر هذا الخبر بالتفرق بالأبدان فكان رضي الله عنه أذا باع بيعا فارق صاحبه من أجل أن يلزم البيع، هذا شيء من مباحث الأدلة ولعلنا إن شاء الله نتكلم عن بقية الأدلة المُختلف فيها في لقاء آت.
أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، كما أسأله سبحانه أن يصلح قلوبنا وأن يملأها من التقوى والإيمان، هذا والله أعلم، وصلّى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) صحيح مسلم (279) .
(2) الدارقطني (196) .
(3) صحيح البخاري (2079) .