فهرس الكتاب
بحيث إذا فعل الإنسان شيئا من الأضداد فإنه يكون آثما، ومن ذلك مثلا: فعل الصلاة؛ فإنه يضادها أمور كثيرة، صلاة الفريضة التي تشتمل على قيام وقعود وسجود يضادها أفعال كثيرة، فالمشي يضادها، وقيادة السيارة تضاد الصلاة، والصعود على الدرج يضادها، وهكذا كل فعل لا يمكن أن يجتمع مع الصلاة فإنه يكون مضادا لها، فإذا قال عزَّ وجلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [1] كان هذا نهيا عن كل الأفعال التي لا يمكن أن تجتمع مع الصلاة، ومن هنا فإن العبد في حال الركوع منهي عن السجود منهي عن الجلوس منهي عن القيام، والعبد في حال السجود منهي عن كل ما يضاد السجود؛ كالجلوس والاضطجاع والقيام والركوع والذهاب والمشي، إذا تقرر هذا فإن هذه القاعدة قاعدة مُقَرَّرَة مأخوذة من لغة العرب ومن دلالة العقل، فإن العرب يفهمون من كلامهم وأوامرهم بالأشياء النهي عن ضدها، وفي العقل لما امتنع اجتماع الأضداد كان الأمر بالفعل نهيا عن أضداده.
وينازع في هذه المسألة المعتزلةُ، فهم يقولون: الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، قالوا: لأن الآمر بالشيء قد يغفل عن ضده فيكف يكون ناهيا عما يغفل عنه، ودعوى الغفلة من الآمر عن النهي عما يضاد كلامه دعوى ليست بصحيحة، لأن الآمر عندما أمر بالفعل فحينئذ هو يستبعد كل أضداد أمره من حال المأمور به، وبذلك نَعْلَمُ بطلان قولهم في هذه المسألة، [2] والأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده من طريق اللفظ بل من طريق المعنى، فإن قولك: قم ليس هو عين قولك: لا تجلس ولا تضطجع بل هي ألفاظ مختلفة وإن كان المعنى فيهما قد يكون متوافقا أو مشتركا، والأشاعرة يقولون: الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده من طريق اللفظ بناء على قولهم بأن الكلام هو المعاني النفسية، وتصور هذا المذهب يستدل به على بطلانه، لأننا نفرق بين الأمر بالقيام والنهي عن الجلوس من جهة اللفظ.
وأما القاعدة الثانية فيقول: النهي عن الشيء أمر بضده، أي أمر بأحد أضداده، فإذا قال: لا تقم فهو يأمرك بأحد الأضداد إما بالجلوس وإما بالاضطجاع، ومن أمثلة ذلك أن الشارع نهى عن أفعال كثيرة في
(1) البقرة: 43.
(2) هنا قال الشارح حفظه الله: (ويقابل هؤلاء) لكنه كأنه تركها وتابع سياق الشرح قبلها.