فهرس الكتاب
وأحاديث الصفات، فإن الأصل أن يعمل بمعانيها الظاهرة على وفق دلالة اللغة ولا يصار فيها إلى المعاني المرجوحة إلا بدليل، هذا هو مدلول اللغة، وهذا هو فعل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واستدلاله، وهذا هو الذي عليه إجماع الصحابة فمن بعدهم - العمل بظواهر النصوص -.
ولا يُتْرَكُ تفسير اللفظ بالمعنى الظاهر الراجح إلا لدليل يدل على أن الظاهر غير مراد، ومن أمثلته: الأوامر، فإنه يحتمل أن يراد بها الوجوب ويحتمل أن يراد بها الاستحباب، ولكن حملها على الوجوب أرجح وأظهر، فنحملها على الوجوب إلا أن يأتي دليل يدل على أن المراد غير الوجوب؛ كما مثلنا على ذلك بقوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [1] ومثله قوله {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [2] ومثله قوله {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} [3] فإن الأمر هنا دل الدليل على صرفه من الوجوب إلى الاستحباب، فقد داين النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يكتب، فهنا صُرِفَ اللفظ عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح لدليل فيكون مقبولا، وصرف اللفظ الظاهر عن معناه الراجح يسمى التأويل، هل التأويل مقبول؟ نقول: إن كان هذا التأويل مبنيا على دليل قُبِلَ، وإن بُني على غير الدليل يُقْبَل، وكم من مرة يُظن أن معنى من المعاني دليل يصرف به الظاهر عن معناه الراجح ولا يكون دليلا ولا يكون كذلك، ولما ذكر المؤلف المجمل والظاهر حَسُنَ بنا أن نُنَبِّه إلى نوع ثالث من أنواع الكلام وهو النص: وهو الدال على معناه من غير احتمال متأيد بدليل ومن أمثلته قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [4] فكلمة {أَحَدٌ} نص في معناها.
ثم انطلق المؤلف إلى بحث آخر وهو تقسيم دلالات الكلام إلى منطوق ومفهوم، والمراد بالمنطوق دلالة اللفظ في محل النطق، وأما المفهوم فهو دلالة اللفظ في غير محل النطق، مثال ذلك: في قوله صلّى الله
(1) الطلاق: 2.
(2) النور: 33.
(3) البقرة: 282.
(4) الإخلاص:1.