فهرس الكتاب
ذلك: قوله {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [1] يفهم منه بدلالة مفهوم الموافقة، هذا تحريم وفهم مفهوم أولوي، والمفهوم الأولوي قد يسميه بعضهم دلالة التنبيه، والمساوي قد يسمى بدليل الفحوى، ومفهوم الموافقة دليل من الأدلة الشرعية ويعمل به، وقد وقع الاختلاف بينهم هل هو قياس؟ وبالتالي لا بدمن وجود شروط القياس فيه أم هو دلالة لغوية وبالتالي لا يشترط فيه شروط القياس الشرعي، ولعل القول الثاني أرجح، لأن العرب تفهم دلالة مفهوم الموافقة قبل ورود الشرع.
النوع الثاني من أنواع المفاهيم: مفهوم المخالفة: بأن يرد مع الحكم صفة مقيدة تُشعر بأن ما عدا ما فيه تلك الصفة لا يندرج تحت ذلك الحكم، ومن أمثلة ذلك: قوله {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [2] يُفهم منه أن الرقبة الكافرة لا تجزئ، ومثاله {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [3] فيُفهم منه أن المطلقة البائن غير الحامل لا نفقة لها، ومن أمثلته في قوله {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [4] فإنه يُفهم منه أن الليل ليس محلا للصيام، ويسمى مفهوم المخالفة دليل الخطاب، وقد وقع الاختلاف في حجيته، فقال الحنفية وبعض الشافعية: لا يحتج بمفهوم المخالفة، والجمهور على حجيته - وهو الصواب - لأن العرب تستنبط أحكاما من كلامها بواسطة مفهوم المخالفة، ولأن الصحابة لا زالوا يحتجون بدليل الخطاب، ولأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد نَبَّه على الاحتجاج بدليل الخطاب - مفهوم الخطاب - في مواطن، ويستثنى من ذلك أن لا يخرج القيد أو الوصف مخرج الغالب، فإنه إذا خرج القيد مخرج الغالب لم يُعمل فيه بمفهوم المخالفة ويمثلون له بقوله تعالى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [5] وبقوله تعالى {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [6] فإن قوله {فِي حُجُورِكُمْ} خرج مخرج الغالب، والأولى أن يقال في هذا الباب أن
(1) الإسراء: 23.
(2) النساء: 92.
(3) الطلاق: 6.
(4) البقرة: 187.
(5) المؤمنون: 117.
(6) النساء: 23.