فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 94

أن غير الطري من لحوم حيوانات البحر لا يجوز أكلها؛ فيمنع من اللحم اليابس أو المتشمس من لحوم الأسماك، فإن ذكر الطري هنا إنما أُتي به لمعنى وهو الامتنان على العباد، وإذا كان لذكر القيد فائدة غير إعمال مفهوم المخالفة فإننا لا نُعْمِل مفهوم المخالفة فيها.

قال: ولا لبيان حادثة اقتضت بيان الحكم المذكور، قد يؤتى بالحكم الشرعي ويذكر محله ثم يُقيد بقيد لأن النص إنما ورد لواقعة خاصة، فذكر القيد من أجل الإشعار بالحكم في تلك الواقعة الخاصة، وقد يمثل له بقول تعالى {لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [1] فلا يقولن قائل: إنما يحرم الربا إذا كان أضعافا مضاعفة، لأنه إنما ذكر هذا القيد للتشنيع على أهل الجاهلية.

فصل

والنسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، ولا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع بين النصين من كل وجه.

وأما القياس؛ فهو تسوية فرع غير منصوص عليه بأصل منصوص عليه إذا كانت العلة واحدة؛ بحيث لا يكون بينهما فرق، وهذا مبني على الجمع بين المتماثلين في الحكم، والتفريق بين المتخالفين، وهو حجة عند جمهور الأصوليين، ويتفاوت تفاوتا كثيرا في قوته وضعفه.

ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يزال الضرر بالضرر، والضرورات تبيح المحظورات، والعجز يُسقط الواجبات، والمشقة تجلب التيسير، والرجوع إلى العُرف في كثير من الأمور، والأصل في العبادات المنع؛ فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة؛ فلا يَحْرُمُ منها إلا ما حرَّمه الله ورسوله، وكل ما دلَّ على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال انعقدت به العقود، والمقاصد والنيَّات تُعتبر في المعاملات كما تُعتبر في العبادات،

(1) آل عمران: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت