فهرس الكتاب
ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال» [1] .
قال المؤلف: وهو - يعني القياس - حجة: أي دليل شرعي، عند جمهور الأصوليين، فهذا هو المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة - خلافا للظاهرية -، واستدلوا على ذلك بالأمر بالاعتبار ومن أنواع الاعتبار القياس، ومنها أن الشريعة قد جاءت بالميزان؛ ومن الميزان التسوية بين المتماثلات، ومن الأدلة ما تواتر عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من استعمال القياس، ومن الأدلة أن القرآن قد ورد فيه أقيسة في الاحتجاج على الكفار؛ مما يدل على صحة الاحتجاج بالقياس، ومما يدل عليه إجماع الصحابة على العمل بالقياس.
والقياس ليس على رتبة واحدة بل هو على أنواع مختلفة، فمن أسباب الاختلاف: نوع الدليل الدال على عِلِّيَّة الوصف، فإن الوصف قد يدل على عِلِّيَّتِه مرة دليل صريح من الكتاب، وقد يدل عليه دليل نصي غير صريح، وقد يُؤخذ الوصف الجامع بطريق الاستنباط، وكذلك وجود الوصف في الأصل والفرع - قد يكون قطعيا وقد يكون ظنيا -، ومن أسباب التفاوت بين الأقيسة نوع الوصف الذي يُجْمَعُ فيه بين الأصل والفرع؛ فإنه قد يكون وصفا مناسبا كما في قياس العلة، وقد يكون وصفا مستلزما للمناسبة كما في قياس الدلالة، وقد يكون وصفا غير مناسب ولا مستلزم للمناسبة كما في قياس الشبه، وتفاوت الأقيسة في القوة والضعف يعرفه أهل الاختصاص ويُفَرِّقُوْن بينها وينتج عن هذا شيئان:
الأول: هل القياس صحيح فيُعْمَل به أم هو ضعيف فيُطَّرَح؟
والفائدة الثانية: عند تعارض الأقيسة نعمل بالقياس الأقوى -وإن كان كل منها قياسا نظن صحته-.
وما ذكره المؤلف من كون القياس حجة قد يُفْهَمُ منه أنه جعل القياس دليلا مستقلا، والصواب: أن القياس طريق لفهم الأدلة الأخرى، فإننا في القياس لا بد أن نستند إلى أصل يثبت حكمه بدليل آخر من كتاب أو سُنَّة أو إجماع مما يدل على أن القياس لا يستقل بنفسه؛ وإنما هو طريقة للفهم، وإن كان القياس
(1) صحيح مسلم (1006) .