الصفحة 36 من 94

وهناك خلاف فقهي في ضمان المتسبب في الحالات التي يكون فيها تخلف الضرر محتملا. فأبو حنيفة وأبو يوسف لا يثبتان حينئذ ضمانا، بينما محمد ومالك وأحمد يثبتون الضمان، وللشافعي تفصيل (ينظر الضمان للأستاذ الشيخ على الخفيف ج 1 ص 76 وما بعدها) .

$46 ونرجع دون تردد القول بتضمين المتسبب في جميع الأحوال (سواء أكان تخلف الضرر محتملًا أم غير محتمل) ما دمنا نشترط أصلًا لمسؤوليته أن يكون متعديا. ومن أوضح الأمثلة الفقهية المؤيدة لهذا الترجيح قضاء عمر وعلي رضي الله عنهما، كما سننقله في الفقرة التالية. وكذلك النص 24 عن مسؤولية المتطبب مع أن إضراره بالمريض قد يتخلف.

4 -سبق أن نقلنا في النص التاسع والثلاثين قصة المرأة التي فزعت حين استدعاها سيدنا عمر رضي الله عنه، فاسقطت جنينيها في الطريق.

وقد نص الشافعية (المهذب 2/ 192) والحنبلية (منتهى الإرادات لابن النجار 2/ 427) في هذا المثال على وجوب الضمان، مع التفصيلات المهمة التالية:

أ - لو فزعت المرأة فماتت لم تضمن لأن ذلك ليس سببا لهلاكها في العادة (المهذب 2/ 192) . ويستنج من ذلك أن الضرر الذي يسأل عنه المتسبب هو الضرر المعتاد، دون الاستثنائي أو النادر.

لكن ذكر في منتهى الإرادات أن الضرر النادر إن كان يعلمه المتسبب فيه فإنه يضمنه. وقد أورد ابن النجار مثالًا على ذلك بقوله: (ولو ماتت حامل أو حلمها من ريح طعام ونحوه: ضمن أن علم ربه ذلك عاده) (منتهى الإرادات 2/ 427) . ولعل هذا في رائحة طعام *** أو صناعة معينة تمتد رائحتها إلى الجوار.

ب- يضمن السلطان لو طلب المرأة ابتداء. لكن لو طلبها باستعداء إنسان، ضمن المستعدي ما كان بسببه. (منتهى الإرادات، الموضع السابق) .

ونرى أن يقيد هذا بما إذا تبين بهتان المستعدي، لأن مجرد رفع الدعوى هو حق أساسي وسبيل لا يمكن سده شرعًا في وجه أحد يريد التظلم واللجوء إلى سلطة العدالة، بحجة أنه يؤدي إلى فزع المدعي عليه، ولا يمكن تحميل المدعي في اللجوء إليه كلفة مالية إلا إذا تبين أنه مبطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت