الصفحة 154 من 194

أمّا عند الحنفيّة فالاستتابة مستحبّة، فهم جمعوا بين الرأي الذي يقول بأن الاستتابة لا تجب، وبين من أوجب الاستتابة، فحملوا الأدلّة التي أوجبت الاستتابة على الاستحباب,

والصحيح أننا لا نستطيع القول بوجوب الاستتابة، ولا بعدم وجوبها، وأفضل من فصّل في هذه المسألة هو شيخ الإسلام في كتابه الصارم السلول، قال:"الردة نوعان: ردة مجردة وردة مغلظة والتوبة إنما هي مشروعة في الردة المجردة فقط دون الردة المغلظة"

الردّة المجرّدة

هي قول أو فعل مكفّر مجرّد، خال من أوصاف التجريد، مثال عليها (ترك الصلاة، عدم تكفير الكافر، دعاء ير الله في ما لا يقدر عليه إلّا الله)

الردّة المغلّطة

فيها مزيد أذى ومحاربة لله ورسوله والمؤمنين، ولها عدّة أشكال:

1 -ردّة المحارب

في الشريعة لدينا حد يسمّى حد الحرابة (قطع الطريق) ، كما قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} وقاطع الطريق هذا قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرا، فإن ارتدّ قاطع الطريق، جمع إلى الحرابة الردّة، فهنا تصبح ردّته مغلّظة.

ولابدّ لنا هنا أن نميّز بين حالتين

1 -قبل القدرة عليه: إذا تاب قبل القدرة عليه، فتقبل استتابته فيما يتعلّق بحقّ الله، وتبقى عليه حقوق العباد ويقع عليه القصاص بها، وهذا لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وهذا لأنّ توبته قبل القدرة تدل على صدقه في التوبة.

2 -بعد القدرة عليه: أي إذا ألقي القبض عليه ولم يكن قد تاب بعد، فلا تُقبل توبته، وذلك لأن عادة المجرمين هي إبداء التوبة والندم أمام القضاء، فهنا لا تجب الاستتابة ولا تقبل توبته، فيقتل ردّة حتّى ولو أبدى التوبة، لأنّ ردّته مغلّظة فالله تعالى لم يجعل ذنبًا من الذنوب حرب له إلّا ذنبين، الأوّل هو الإفساد في الأرض، والثاني هو الربا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ، ولأنّ العلماء اتّفقوا على عدم استتابة المحارب قبل القدرة لأنّه محارب وليه شوكة وفي هذه الحالة لا يمكن النقاش معه وعرض التوبة عليه

والدليل على عدم قبول ردّة المحارب قصّة العرنيين التي جاءت في صحيح البخاري (قدم على النبي صلى الله عليه و سلم نفر من عكل فأسلموا فاجتووا المدينة فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل فبعث في آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا) [ (سمل أعينهم) فقأها وأذهب ما فيها. (يحسمهم) حسم العرق كواه بالنار لينقطع دمه ويمكن أن يكون القطع بعملية جراحية شريطة عدم وضع المخدر ليشعر بالألم ويحصل له الزجر] ، فهؤلاء القي القبض عليهم فحُدّوا بحد الحرابة، والسبب في سمله لأعينهم بالرغم من أنّ هذا تمثيل بهم، والتمثيل منهي عنه، لكن لانّهم كانوا قد مثّلوا بالراعي، وكان هذا من باب المعاملة بالمثل، فالتمثيل لا يجوز الابتداء به، وقد قال الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ، وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت