الصفحة 157 من 194

القول الصحيح عند أهل العلم أن الاستتابة لا تجوز، وإن تاب في الأحكام الدنيوّة ويبقى عليه حد سبّ الرّسول صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الجمهور.

5 -ردّة الزنديق:

وكلمة الزنديق هي كلمة فارسيّة مأخوذة من"زندكي"ومعناها في اللغة الفارسيّة هو الجاحد الذي يجحد نور الإيمان الإلهي، ثم تطوّر معناها وأصبح معناها هو المنافق، وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر. والزندقة إما أن تكون أصليّة أو تكون طارئة، والفرق بينهما، أنّ الزنديق الأصلي بقي على دينه الكافر (كاليهودي أو النصراني) ، ثم أظهر الإسلام، هو كان مسلمًا أصليًّا، لكنّه ارتكب فعلًا من الأفعال أو الأقوال المكفّرة، لكنّه لا يظهره، (مثال: الجاسوس) .

والعلماء اعتبروا ردّة الزنديق مغلّظة لخطر هذه الردّة، لأنّ خطر المنافق على الإسلام أشد من الكافرين، لأنّ عداوتهم غير ظاهرة كما هو الحال في الكافر الأصلي، لذلك قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} وفي قوله {هُمُ الْعَدُوُّ} قال ابن القيّم لا يعني أنّه فقط هم الأعداء، لكن ذلك للتنبيه على أنّ عداوة هؤلاء المنافقين هي أشد أنواع العداوات، ولذلك أخطر درجات الكفر هي الزندقة.

والمنافق يُعرف إذا ظهر هذا النفاق، فلا بدّ للنفاق الباطن من أن يظهر على الظاهر، قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} ، وقال {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} ، ومثال على ذلك، نصراني أسلم ظاهرًا ثم عُرِف عنه أنّه لا يزال يمارس العبادات النصرانيّة، فهذا الذي تبيّنت زندقته وإن تاب بعد القدرة فلا تقبل توبته، ويُقتل وإن تاب، لأنّ هذا الزنديق معروف عنه الكذب فإذا عُرضت عليه التوبة سيتوب. ونميّز بين أمرين:

1 -قبل القدرة: يستتاب، مثال جاسوس تاب عن تجسسه وجاء إلى القاضي معترفًا بذنبه تائبًا إلى الله، وكان أمره لم يُكشف بعد، فهذا يدل على صدق توبته، فتقبل منه.

2 -بعد القدرة: لا تقبل توبته.

6 -ردّة الساحر:

قال أهل العلم أنّ الساحر مثل الزنديق، لحديث: (حد الساحر ضربة بالسيف) ، وما جاء عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول: (كتب عمر رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال فقتلنا ثلاث سواحر) هنا لم يستتيبوهم، وما جاء عن عمر بن عبد العزيز (أن عامل عمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز في ساحرة أخذها، فكتب إليه عمر: إن اعترفت أو قامت عليها البينة فاقتلها) ، وقالوا لأنّ السحر يعتمد على الكذب والدجل، وله علاقة بالزندقة، وقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

فلو عُرضت على مثل هذا التوبة فسيتوب ثمّ يرع إلى سحره ودجله، لكن لو تاب قبل القدرة فتُقبل توبته.

7 -ردّة من تكررت ردّته:

وهو الذي ارتد ثم تاب ثم ارتد ثم تاب ثم ارتد، هنا اختلف أهل العلم في توبة من تكررت ردّته ثلاث مرّات، فقال الجمهور أنّه إذا تكررت ردّته ثلاث مرّات يكون مثل الزنديق، واستدلّوا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت