إذا ألقي القبض عليه قبل التوبة فلا تجب الاستتابة، فيجوز لنا استتابته ويجوز قتله دون استتابة، ومما يدل على هذا، ما ورد في سنن النسائي وغيره بسند صحيح (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله [الحديث] وأما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله بايع عبد الله قال فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك قال إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين) وعبد الله بن خطل هذا تعلّقه بأستار الكعبة كان أشبه بتوبة، ومع ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) ، وأمّا عبد الله بن أبي سرح، فلو أنّ أحد الصحابة قتله قبل أن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته، لقبل ذلك صلى الله عليه وسلم بل هو كان يريد أن يأت أحد ويقتله، وهذا يدل على أنّ المرتد الممتنع بطائفة يجوز قتله في حالة القدرة عليه، ولا تجب استتابته، لكنّها تجوز.
3 -ردّة سابّ الله والطاعن في الدين:
اعتبر العلماء أن من يسب الله تعالى هو أشد من المشرك، لأنّه طاعن في الله وفي الدين، وأشد أنواع الطعن في الدين هو السب، قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} وهذه الآية استدلّ بها بعض العلماء على أنّ سابّ الله لا تجب استتابته لأنّه إمام في الكفر، ومثال على ذلك كعب بن الأشرف فبالرغم من وجود عهد بين اليهود والمسلمين، إلّا أنّ في حالة كعب بن الأشرف نُقِضَ هذا العهد لأنّه كان يهجو الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه محمد بن مسلمة فقتله.
ولا يمكن للذي يسب الله تعالى أن يكون معظّمًا له، والتعظيم هو من أصل الدين وأصل العبادة، فالذي يسبّ الله عز وجل لا يعذر بالجهل ولا بالتأويل، ولا تجب استتابته، فالقاضي مخيّر في استتابته بحسب ما يرى من المصلحة.
4 -ردّة سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم:
وسابّ الرسول صلى الله عليه وسلم أخطر من سابّ الله بالنسبة للأحكام القضائيّة، فبعض أهل العلم ادّعى الإجماع على أنّ ساب الرسول يقتل مطلقًا، تاب أم لم يتب، قبل القدرة أو بعدها، فحتّى إن تاب فيبقى عليه حدّ سب الرسو صلى الله عليه وسلم، وهذا ما رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وألّف فيه كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول.
وسب الرسول صلى الله عليه وسلم أغلظ من سبّ الله تعالى في الأحكام الدنيويّة لعدّة عوامل
1 -الله سبحانه وتعالى عفى عن حقّه لمن تاب، وأمّا حق الرسول صلى الله عليه وسلم هو حق شخصي له، ولا نستطيع أن نحدد يعف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقّه أم لا يعف، فنأخذ بالأحوط لحقّ الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القضيّة ونقول بأنّه لا يستتاب، قال شيخ الإسلام:"النبي صلى الله عليه وسلم عاقب من سبه وآذاه في الموضع الذي سقطت فيه حقوق الله نعم صار سب النبي صلى الله عليه وسلم سبا لميت وذلك لا يسقط بالتوبة البتة."
2 -الله تعالى يعترف به أكثر الناس، أمّا النبي صلى الله عليه وسلم وهو نبي الإسلام لا يعترف به إلّا المسلمون، فتأثير سبّه يكون أكثر وأشد، وقال شيخ الإسلام"فسب النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون أعظم من سب الله فإنه إنما عظم وصار موجبا للقتل لكون حقه تابعا لحق الله فإذا سقط المتبوع بالإسلام فالتابع أولى".
فهنا قال البعض توجد إمكانيّة استتابة، وإن كانت غير واجبة، وقالوا لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم يُعرف عنه أنّه سيعف عن حقّه، فلو عُرض عليه هذا الأمر لعفى عنه، وقالوا لا فرق بين من يسب الله وبين من يسب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هنا