وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات فذكر الله تعالى مراتب المسلمين في هذه الآية، وأعلى مرتبة ذكرها هي الذاكرين وهي نفسها مرتبة الإحسان، وكذلك فإن الإحسان له مقامات
-المقام الأول (أن تعبد الله كأنك تراه) : مقام طلب ورغب، والدافع لهذا المقام هو المحبّة، وهو كما أسماه ابن القيّم:"مقام المشاهدة"أي مشاهدة أففعال الرب وأسماءه وصفاته، فيربط العبد كل ما يراه في الكون بأفعال الله وصفاته، فإن رأة أم تدلل طفلها يرى فيها رحمة الله الذي أنزلها، وإن رأى نعمة تذكر كرم الله عز وجا على عباده، وهذا فاسمهم الذاكرين ولم يكتفي بكلمة الذاكرين بل قال {والذلكرين الله كثيرًا} فإنهم يذكرون الله دائما بالأذكار المناسبة لكل مقام.
-المقام الثاني (فإن لم تكن تراه فهو يراك) : مقام خوف ورهب، ومقام مراقبة وهة أقل من الذي قبله.
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} اختلف الناس في هذه الآية على قولين
1 -أنها نزلت في المنافقين، فقالوا الإسلام هنا يعني الإيمان الحكمي، وآمنّا هو الإيمان الحقيقي، فقال الله تعالى لهم: أنتم لم تؤمنوا إيمانا حقيقيّا وإنما إيمانا حكميًّا
2 -انها لم تنزل في المنافقين وإنما نزلت في أقوام حديثي الإيمان، فحققوا أصل الإيمان ولم تدخل حقائق الإيمان إلى قلوبهم بعد، وهذا القول الأرجح.
أما عند ذكر الإسلام والإيمان في صيغة الفاعل والإسم (المسلم، المؤمن) فتصبح كلمة المسلم تدل على أصل الدين، أما كلمة المؤمن فإنها تدل على المؤمن كامل الإيمان.
أيضًا كلمة الإسلام فهناك إسلام بالمعنى العام والإسلام بالمعنى الخاص
-المعنى العام: هو أصل الإيمان (الإستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله)
-المعنى الخاص: هو استسلام خاص لله، كما دعا: {ربنا واجعلنا مسلمَيْن لك} وهنا لم يقصد المعنى الخاص لأنه لا يجوز أن يدعو المرء بأصل الإسلام بل قصد المعنى الخاص الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام بحديثه (المسلم من سَلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أعراضهم ودمهم)
فعند إطلاق كلمة الإسلام فإن المعنى العام لكلمة الإسلام يساوي المعنى العام للإيمان أما المعنى الخاص للإيمان أعلى من المعنى الخاص للإسلام، فمن تأمنه على عرضك ودمك خير من الذي تسلم من لسانه ويده.
وكذلك عند قول كلمة الإيمان فقد نفهم المعنى العام والذي هو أصل الإيمان، أو المعنى الخاص والذي هو تحقيق كامل الإيمان، كما قال الله تعالى {يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا}
يقول ابن تيمية:"إني إلى الآن لم أسلم إسلامًا حقيقيًّا"فهنا قصد معنى الإسلام الخاص وليس العام
-انتهى بفضل من الله -