إختلاف الفرق الإسلاميّة في مسمّى الإيمان
أول مسألة تبين لنا أهمية دراسة مسائل الأسماء والأحكام أن أول خلاف كان في الأمة الإسلاميّة إنما كان في مسمّى الإيمان عندما خرج الخوارج على عري رضي الله عنه، وأصبح لهم كيان مستقل وفرقة مستقلّة، ثم بعد ذلك ظهر المرجئة. لذلك نحن ندرس هذه المذاهب والفرق، لأنها ظهرت ولا تزال منتشرة وتلقي بظلالها بشكل جماعي وفردي، لذلك فعلينا معرفة ما هي البيئة أو التربة التي مهّدت لهذا الخلاف فإذا عرفنا كيف دخلت هذه الفتن سنعرف كيف يمكننا مواجهتها.
ونحن في واقعنا الحالي وتاريخنا نعيش ما يُسمّى بالمؤامرة أو (نظريّة المؤامرة) ، لكننا نفهمها من منظور آخر.
فقد بدأت المؤامرة منذ أن بدأ الله بخلق آدم عليه السلام، جاء في الحديث: (لما صور الله تبارك وتعالى آدم عليه السلام تركه فجعل إبليس يطوف به ينظر إليه فلما رآه أجوف قال: ظفرت به خلق لا يتمالك) ، وعندما أمره الله بالسجود لآدم رفض واستكبر وطلب مهلة من الله إلى يوم القيامة توعّد البشر فيها بأن يضلهم عن الحق، قال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ، فنحن نفهم المؤامرة على أنها تآمر الباطل على الحق، ولا تزال هذه المؤامرة قائمة إلى قيام الساعة، كما قال الله تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، وقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} ، وقوله {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ...
وبدأ بدرء الفتن خليفة رسول الله أبو بكر الصدّيق عندما قاتل مانعي الزكاة وقال فيهم قولته المشهورة (والله لو جرّت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين في المدينة ما فرقت من هؤلاءِ وهؤلاء، إن الله تعالى ما فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا - أو عناقا - كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها) وشجّع الصحابة على قتالهم وانتهت فتنة المرتدّين.
وجاء بعده عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، والذي كان هو باب الفتنة المُغلق كما جاء في الحديث (قال عمر: أيكم يحفظ ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الفتنة؟ فقال حذيفة أنا قال حذيفة فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر لست عن هذا أسألك ولكن عن الفتنة التي تموج كموج البحر؟ قال يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال عمر أيفتح أم يكسر؟ قال بل يكسر قال إذا لا يغلق إلى يوم القيامة قال أبو وائل في حديث حماد فقلت لمسروق سل حذيفة عن الباب فسأله فقال عمر) ، فبعد قتله بدأت الفتنة في عصر عثمان رضي الله عنه.
وفترة حكم عثمان رضي الله عنك كانت 12 - 13 عام، قال الزهري:"أول ست سنوات مرت حلوة"وكان الناس فيها أسبه بعصر الإنفتاح، حيث أن عمر رضي الله عنه كان له سياسة ماليّة قاسية نوعًا ما، فلا يسمح للناس بالتمتّع بغنائم الفتوحات، كذلك منعه للصحابة من الخروج من المدينة بغير حاجة خشيةً منه من الفِتن.
أما عثمان رضي الله عنه كانت طبيعته سهلة وليّنة، وتوسّعت الفتوحات في عصره حتى وصل المسلمون إلى حدود الصين شرقًا، والبحر الأطلسي غربًا، ودخل الكثير من الناس في الإسلام وفاضت الخيرات في الأمة، وأذن عثمان رضي الله عنه للصحابة بمغادرة المدينة، فهاجر كثير منهم إلى الأمصار.
وفي السنة السادسة من خلافته شمّ عثمان رضي الله عنه رائحة الفتنة فأرسل رسالة إلى أهل الأمصار، قال فيها: (إني أخشى عليكم من الفتن، من دخول الأعاجم في دين الإسلام، ومن كثرة السبي، ومن كثرة الغنائم) فحدد ثلاثة أسباب للفتن:
1 -الأعاجم: أي البعد عن اللسان العربي، وهذه مشكلة من لا يفهم العربية وهي أن فهمه للقرآن وفهمه للسنّة ليس فهمًا دقيقًا، فدخول الفتن كان عند دخول هؤلاء الأعاجم إلى الإسلام لأنهم لم يكونوا مؤهلين لفهم لغة القرآن والسنّة، فتكثر لهذا السبب الإنحرافات في المفاهيم.