نرى الناس على مدار التاريخ يميلون إلى القوّة الخفيّة، قال بعض المستشرقين:"قد نذهب إلى مدينة لا نجد فيها أسواق، وقد نذهب إلى مدينة لا نجد فيها مدارس، لكن لابدّ أن نجد فيها معبد"فهناك شيء غريزي عند كل البشر يرغّبه بالإعتقاد، وقد أكّد هذا بعض العلماء حيث توصّلوا إلى وجود مركز في الدماغ أسموه مركز التديّن، فإن لم يكن عند الإنسان تديّن فسيكون هناك اضطراب في هذا المركز، لذا فالإنسان يبحث غريزيًّا عن التديّن، فمن اهتدى إلى الوحي السماوي فهو الموفّق، ومن لم يهتدي إلى الوحي السماوي، ملئ هذه الرغبة بأي اعتقاد، كما قال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه:"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"، وقال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، فالفطرة هي بالأساس الرغبة في التديّن، والرغبة بالتعلّق بقوّة خفيّة مدبّرة، فإذا بحث عنها الإنسان بصدق ووفقه الله تعالى فاهتدى إلى وحي السماء، سيصل إلى الحق، لأنّ الله تعالى أوجد لنا الحق وأنزله علينا، لكن - كما جاء في الحديث القدسي -"ولكن الشياطين اجتالتهم"وهذه تتضمن شياطين الإنس والجن، فيحاولوا صرف الإنسان عن الحق، فنرى هناك من عبد القمر، ومن عبد الشمس، ومن عبد الجن، ومن عبد الملائكة.
رابعًا: الغاية من خلقنا هي عبادة الله تعالى
الغاية من خلقنا هي عبادة الله وتوحيده، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وهذا ما أطلق عليه العلماء اسم"الواجب الأول"، قال الشيخ حافظ حكمي في نظمه: (وأول واجب على العبيدِ * * * معرفة الرحمن بالتوحيدِ) ، وهذا ما عليه أهل السنّة والجماعة، لكن خالفهم في ذلك المتكلّمين (المعتزلة والأشاعرة والماتوريديّة) الذين كان صلب اهتمامهم الرد على الفلاسفة، فقالوا أن الواجب الأوّل هو معرفة الله تعالى، وقال بعضهم: الواجب الأول هو النظر، أي أنّه يبدأ من الشك ثم ينتقل إلى اليقين.
وهذا مفرق مهم بين عقيدة المتكلّمين وعقيدة أهل السنّة والجماعة، فالمتكلّمين يركّزون على وجود الله تعالى، وهذا خطأ، أن مسألة وجود الله تعالى هي مسألة فطريّة، ولم يتطرّق القرآن إليها كثيرًا لأن المخالفين في هذه المسألة هم شرذمة قليلة من الملاحدة والدهريين، لكن عموم الناس مقرّين بوجود الله تعالى، ولهذا أرسل الله الرّسل للدعوة إلى عبادته وليس لمعرفته، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، كما أن دلالات العقل والمنطق والتاريخ، فضلًا عن النقل، كلها تتظافر للدلالة على وجود الله تعالى، فوجوده لا يحتاج إلى دليل، كما قال أحد الشعراء:
وكيف يصح في الأذهان شيء * * * إذا احتاج النهار إلى دليل
خامسًا: لابد من تجلية معنى التوحيد والعبادة
التوحيد له ثلاث أقسام رئيسية، وهناك لازم لها، وكلها تدور حول"لا اله إلا الله"