قال سيد قطب رحمه الله: وقد وردت روايات كثيرة في سبب نزول الآية: خلاصتها أن سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلًا معه غنم له. فقال: السلام عليكم. يعني أنه مسلم. فاعتبر بعضهم أنها كلمة يقولها لينجو بها، فقتله.
ومن ثم نزلت الآية، تحرج على مثل هذا التصرف، وتنفض عن قلوب المؤمنين كل شائبة من طمع في الغنيمة أو تسرع في الحكم .. وكلاهما يكرهه الإسلام.
إن عرض الحياة الدنيا لا يجوز أن يدخل للمسلمين في حساب إذا خرجوا يجاهدون في سبيل اللّه. إنه ليس الدافع إلى الجهاد ولا الباعث عليه .. وكذلك التسرع بإهدار دم قبل التبين. وقد يكون دم مسلم عزيز، لا يجوز أن يراق.
واللّه سبحانه يذكّر الذين آمنوا بجاهليتهم القريبة، وما كان فيها من تسرع ورعونة، وما كان فيها من طمع في الغنيمة. ويمنّ عليهم أن طهر نفوسهم ورفع أهدافهم، فلم يعودوا يغزون ابتغاء عرض الحياة الدنيا كما كانوا في جاهليتهم. ويمنّ عليهم أن شرع لهم حدودًا وجعل لهم نظامًا؛ فلا تكون الهيجة الأولى هي الحكم الآخر. في ظلال القرآن [1] .
وقد وردت عدة آثار تحذر من سفك الدماء المحرمة والإفساد في الأرض في ساحة الجهاد؛ رغم أنهم كانوا يجاهدون الكفار، ولم يقل أحد أنه مسموح لهم ذلك طالما أنهم يقتلون الكفار، بل تبرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما فعل خالد وكان متأولًا في القضية.
فقد جاء في صحيح البخاري: (( حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا
(1) ظلال القرآن (2/ 737) .