وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) ) [1] . هذا فيمن أشار على وجه المزاح؛ فكيف بمن أشار حقيقة وفجر وقتل واستعرض!!
وإن من المشاركة في هذا الجرم الدفاع عن هؤلاء المارقة بحجة أنهم يقاتلون الكفار، وبالتالي يغض النظر عن قتلهم للمسلمين, مع العلم أن قتلهم للكفار قليل جدًّا؛ إذا ما قُورِنَ بقتلهم للمسلمين [2] ، والله المستعان. وقد يكون هذا من الرضى بالفعل، والرضا بالذنب كفعله كما هو معلوم.
وقد قال: (( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها ) ) [3] .
قال المناوي: ("كان كمن شهدها"أي حضرها في المشاركة في الإثم، وإن بعدت المسافة بينهما. لأن الراضي بالمعصية في حكم العاصي، والصورة الأولى فيها إعطاء الموجود حكم المعدوم والثانية عكسه) [4] .
الخامس: أن الأحاديث بَيَّنَتْ تَنطُّعَ المارقةِ وشِدَّة غلوّهم، لدرجة أن المرء من الصحابة يحتقر صلاته وصيامه بل وسائر عبادته وعمله أمام صلاتهم وصيامهم وعباداتهم وأعمالهم، وهذا يدخل فيه الجهاد من باب أولى، فالمرء قد يحتقر جهاده أمام جهادهم، وقد وردت في ذلك آثار, فالقضية ليست مرتبطة بمجرد العمل؛ بل إن القضية قبل ذلك في موافقة السنة، واجتناب البدعة, ولله در شيخ الإسلام وَضَّحَ هذه القضية بأجلى صورة، وأوضح عبارة حيث قال رحمه الله: (فليس الفضل بكثرة الاجتهاد؛ ولكن بالهدى والسداد، كما جاء في الأثر: ما ازداد مبتدع اجتهادًا، إلا ازداد من الله بُعدًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخوارج: (( يحقر
(1) صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1043) ، ورواه مسلم (4/ 2020) ، والترمذي (4/ 463) ، عن أبي هريرة. وهو في غاية المرام (446) .
(2) انظر ملحق (رقم 12) وفيه إحصائية في عدد قتلى الثوار والمجاهدين على يد غلاة جماعة الدولة.
(3) صحيح سنن أبي داود (6/ 401) ، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 179) ، وقال:"حسن". ورواه أبو داوود عن العرس بن عميرة. وهو في المشكاة (برقم 5141) .
(4) فيض القدير (1/ 407) .