الصفحة 52 من 58

(الْإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، فَكُلُّ رَأْيٍ أَدَّى إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَخَارِجٌ عَنِ الدِّينِ. وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ الْمُتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الْفِرَقِ الْمُضَمِّنَةِ فِي الْحَدِيثِ. أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ:(( يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ) ).) [1] .

وأما مقصد حفظ النفوس؛ فالشريعة جاءت بحفظ النفوس، وشُرِعَ القصاص لذلك، ولكن جماعة الدولة أزهقت النفوس المعصومة، وأراقتها بغير وجه حق، وهي من أكبر عصابات المافيا في العالم، فقطعت الطرق، وخرجت على الناس، وحملاتها الاستعراضية بالقتل والصلب مشهورة. قال الشاطبي عن الخوارج: (((وَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ) )فَذَمَّهُمْ بِعَكْسِ مَا عَلَيْهِ الشَّرْعُ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) [2] .

وأما مقصد العقل؛ فإن جماعة الدولة بتصرفاتها جعلت الحليم حيران، وأذهبت عقول الناس، واستنزفت طاقات الأمة وفكرها، وضللت العباد بإعلامها الكاذب الأفّاك، وجعلت منهم وقودًا لحروبهم الطاحنة، فكانوا نزيفًا للعقول والأجساد.

وأما بالنسبة لمقصد العِرض والنسل؛ فقد جاءت شريعتنا بتحريم الطعن والقذف والشتائم، وشرّعتِ الزواج، ومنعت انتهاك الحرمات، ولكن الدولة نشرت ثقافة الطعن والإسقاط؛ والتشهير والتكفير؛ والتضليل بالمجاهدين وأهل العلم والفضل، ولم يعرف التاريخ إقذاعًا وشتمًا كما وصل إليه هؤلاء المارقة, ولقد أوجبوا على الفتيات الهجرة بدون مَحرم، ثم تتزوج إحداهن بلا ولي لها، وكم طلقوا من امرأة بحجة رِدَّةِ زوجها، ومن ثَمَّ أنكحوها لأحد رجالاتهم, وأما أحاديث زيجاتهم ومن ثم تطليقهم أصبحت حديث الركبان، والزوج لا يُعرَفُ اسمه ولا اسم أبيه وأمه، بل هو

(1) الاعتصام (1/ 170) .

(2) الاعتصام (3/ 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت