الصفحة 11 من 76

وهذا جلي وواضح، فإذا كانت الغاية من الجهاد منع فتنة الشرك والتخلية بين الناس وبين دين الإسلام ليقبلوا عليه، فإن أي عمل منسوب للجهاد يؤدي إلى نفرة الناس من استماع دعوة الإسلام أو يؤدي بأهل الإسلام إلى النأي عن الالتزام به فلا شك أنه يأتي بنقيض مقصود الجهاد، وهو بهذا لا يمكن أن يكون من الجهاد المعتبر شرعًا في نفس الأمر، وإلا تناقض الشرع وهذا محال.

وبكلام آخر نقول: إن من معالم الرشد في منهج الجهاد القتالي أن يؤدي الجهاد إلى قرب الناس من الإسلام لا العكس.

ولعلنا نلاحظ هذا المعنى السامي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ) ، قال: (خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام) [صحيح البخاري] .

وفي مقابل هذا نجد الشرع قد نهى عن الفعل المنفر عن الإسلام ولو كان مشروعًا في ذاته، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قائد الأمة ونبيها المعصوم بالوحي لم يقتل أو يقاتل أحدًا من المنافقين ممن يخالط المجتمع تحصيلًا لمصالح الدعوة ومنها قطع ذريعة الفتنة والتنفير عن الدين، حيث قال صلى الله عليه وسلم حين بلغه قول عبد الله بن أبي بن سلول: (والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل) ، فقال عمر: (يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) [صحيح الترمذي] .

ومعلوم أن نفاق عبد الله بن أُبي كان نفاق كفر، والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) .

قلت: فإذا أخذ الناس يتصورون الإسلام وأهله بهذه الصورة حيث يتقاتلون ويتهارجون فأي رجاء في إنصاتهم لدعوة الحق فضلًا عن قبولهم لها؟ إن ظهور دين الإسلام في سياق الجهاد القتالي يستلزم أن يرى الناس كل الناس من وراء الدماء والأشلاء التي تزهق بوجهٍ مشروع أن يروا تلك الصورة المشرقة المضيئة للإسلام التي تدفع كل أحدٍ إلى الوقوف بخشوع وإجلال أمام مشهد هذا الدين العظيم بكل أبعاده عقيدةً وعبادةً وسلوكًا وخلقًا.

إن صورة الجهاد المشرقة هي تلك التي لا تلطخ صفحة الإسلام البيضاء بأي شبهة مهما صغرت، في نفس الوقت الذي تتضمخ فيه أجساد أبنائه بدماء الشهادة مهما كثرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت