رابعًا؛ الالتزام بأصول وثوابت الإسلام والتوقف في الرخص عند موجبها:
فلا يصح لمن رام بجهاده إعلاء دين الله تعالى أن يسترسل في الاستثناءات الخارجة عن الأصل المفضية إلى نقيض المقصود من الجهاد، ولا أن يُغرق في تعميم الأحوال الخاصة وإخراجها عن خصوصيتها، فبعض المسائل التي أفتى أهل العلم بالرخصة فيها على سبيل الاستثناء كقتل الترس من المسلمين أو الانغماس في العدو لتعيُّن الحاجة أو طلب النكاية فيه، لا سيما فيما يُعرف اليوم بالعمليات الاستشهادية.
أقول: هذه الأحوال هي الاستثناء لا الأصل، وهي الرخصة لا العزيمة، وموجب الرخصة فيها تحقق مصلحة راجحة أكبر أو دفع مفسدة محتمة أكبر، حتى إذا ما اضمحلت هذه المصلحة أو تسرب الشك إلى تحققها كان الالتزام بمنهج الشرع الذي يقضي بأن الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل، والأصل هنا عصمة الدماء المعصومة وعدم التفريط بالمجاهد المسلم لأدنى شبهة مصلحة.
ولقد مر زمان قريب كانت للعمليات الاستشهادية فيه وقع عجيب على المسلمين تثبيتًا وإعجابًا وعلى الكافرين رعبًا ونكالًا، أما اليوم وقد ركب الناس الصعب والذلول؛ فلم تعد الحال كذلك مع كل عملية من هذا النوع، لا سيما تلك التي تميل إلى الهرج أكثر مما تنزع إلى الإثخان في العدو، ونحن هنا في مقام التنظير لا مقام إثبات نسبة أعمال معينة إلى فصائل جهادية معينة.
والحاصل هنا؛ أن إعمال أصول الشرع أقرب إلى إظهار الشرع وإعلاء كلمته من الاسترسال في الرخص والمستثنيات، فليتنبه لهذا فإنه دقيق.
خامسًا؛ عدم انفكاك دعوة البيان عن مقارعة السنان:
فقد قال الله تعالى: {وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا} [النساء 83] ، وأولي الأمر هنا يشمل أهل العلم الشرعي وأهل الخبرة والحنكة العسكرية.
فالفريق الأول؛ يستنبط الحكم الشرعي المتعلق بوقائع المعركة.