الصفحة 15 من 76

بقلم؛ وسيم فتح الله

قد ينظر الكثير منا إلى فتح مكة باعتباره مَعلم النصر لصدر الأمة الأول، وهو مَعلم انتصار عظيم وفتح من الله مبين لا ريب، ولكن هل هو حقيقة الانتصار أم ثمرته؟ وهل التمكين في الأرض هو جوهر النصر أم هو تتويج له؟ وإن لم يكن كذلك فما هي حقيقة النصر التي لا يضر معها تخلف حصول الثمرة وتأخر حفل التتويج؟

لقد سبقت فتحَ مكة معاركُ عظام وأحداث جسام لم تكن ساحتها ميدان القتال بعد، كما لم تكن عدتها السيف والسنان بعد، وإنما كانت معركةً من نوع آخر وكان تدافعًا من نوع آخر، كانت معركة اسمها {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} (الحجر 94) ، وكانت معركة اسمها: {لكم دينكم ولي دين} (الكافرون 6) ؛ ودارت رحى المعركة الأولى حول تجريد التوحيد: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلًا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا} (المزمل 8 - 9) .

وكانت عُدة المعركة الثانية: {فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون} (القلم 8 - 9) ، واشتدت أتون هذه الحرب وتمحضت معها حقيقة التوحيد في قلوب أولئك النفر فإذا بهم يتلذذون في آهاتهم ويتنعمون في أنَّاتهم قد أغناهم حب الله عن كل ما سواه، وشغلهم مشهد العبودية عن مشهد التسخط على الأذى فيه سبحانه وتعالى، وكانت تلك بداية معركة التحرير وأولى ملامح الانتصار ...

ثم أخذ مشهد المعركة يتميز شيئًا فشيئًا وأخذت معالم الطريق تتضح شيئًا فشيئًا، نعم لقد بدأ أولئك النفر يدركون أنه لا بد من تسديد بعض أقساط الجنة؛ فكانت الأقساط من أموالهم تارة ومن أجسادهم ولحومهم تارة، كانت من الولد والأهل تارة ومن العشيرة والوطن تارة، قطعوا ما بينهم وبين الناس ليقيموا ما بينهم وبين الله، وطلقوا الدنيا ليخطبوا الآخرة، وأفرغوا قلوبهم من كل ما سوى الله فتهيأت لغرسة التوحيد فيها، هُجِّروا فهاجروا، وعُذِّبوا فصابروا، استُنصروا فنصروا، واستُنفروا فنفروا، وكلما تجردوا من علائق الدنيا كلما تميزت عندهم معالم النصر، وغدت ملامح الانتصار وحقيقته أكثر وضوحًا وأشد نورًا من ذي قبل ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت