ثم كان أن تحول ميدان المعركة إلى السيف والرمح، وكانت بدر وما أدراك ما بدر، ولكن بريق النصر العسكري ونشوة اندحار العدو ومادته قد يخطف الأبصار أحيانًا بل قد يعميها عن بعض الحقائق، فلربما ظن المسلمون أن النصر العسكري والغلبة والظهور المادي أمرٌ لازمٌ ملازم، بل قد تزين نفس المرء له استحقاقها لهذا الظهور حتمًا، كيف لا وقد اجتمعت الدواعي من التزام الحق وتأييد السيف له والإثخان في العدو وكسر شوكته وشكيمته، ولكن ليس هذا هو النصر، أو قل ليس هذا هو تمام النصر، بل كان لا بد من جولة أخرى يكتمل فيها انتصار الإسلام والمسلمين، وهكذا كانت غزوة أحد ...
دخل المسلمون غزوة أحد ولربما كانت نشوةُ النصر في بدر آخذةً بلب بعضهم، ولربما خال بعضهم أنه ومنذ بدر نصرٌ بلا هزيمة وغلبةٌ بلا اتكسار، ولربما توهم البعض أن مجرد التزامِ طريق الحق موجبٌ لدوام الظهور والتمكين، وعندما انقلبت موزاين المعركة وتجرد المسلمون من كل رداء خلا العبودية المطلقة لله تمحضت آنذاك معالم النصر؛ عندما كُسرت ثنية النبي بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه الشريف تمحضت معالم النصر في أمةٍ هكذا قائدها، أمة رأس الحربة فيها هو الإمام القائد أو قل الرئيس الحاكم، أمةٌ لا ينشغل حاكمها بكرسي الدنيا عن كرسي الآخرة، قائدٌ يستشير الصغير والكبير وينزل عند رأي المخالف فيما لا يغضب الله تعالى تطييبًا للقلوب وجبرًا للخواطر، قائدٌ يصمد حين يلتفت الناس ويرفع لواء الحق حين يتواني عنه الناس، قائدٌ يسدد شيئًا من أقساط الجنة من لحمه ودمه حين يلوذ الناس بلحومهم ودمائهم ...
وعندما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد، وعندما قام أبو دجانة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فترَّس عليه بظهره والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك، وعندما جعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب تذود عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتيت من قوة في تسعة رهطٍ اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حين انفض عنه الناس، هنالك لاحت معالم النصر، وعندما أصيب زوج وأب وأخ المرأة من بني دينار وهي لا تسأل إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأته قالت: كل مصيبةٍ بعدك جلل (أي هينة) عندها كان أحد معالم الانتصار، عندما تحقق تقديم حب الله ورسوله على كل ما سواهما عندها كان النصر ...
وعندما انحسر المسلمون وقد أعجبتهم قوتهم وعددهم لا يلوي أحدٌ منهم على أحد في كمين العدو لهم في حُنين تقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه آنذاك ليعلن للناس جميعًا مسلمين وكفارًا أن أمر هذه الدعوة قائمٌ مهما انحسر عنه الناس وأن راية الحق أبدًا مشرَّعة مهما انكسرت لجندها شوكة، فأخذ - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - يدفع