بغلته نحو الكفار وهو ينادي: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، عندها كان النصر، وعندها جلجلت كلمة الحق، أما ما كان بعد ذلك من اجتماع كتائب الحق على كلمة النبي صلى الله عليه وسلم وقهر عدوهم فلم يكن إلا ترجمة لهذا النصر وثمرة من ثماره ليس إلا ....
وليس هذا النصر الذي نتحدث عنه ظاهرة عابرة في تاريخ أمتنا، بل هو جزء لا يتجزأ من مسيرة كلمة التوحيد عبر العصور، فلقد انتصرت كلمة التوحيد من قبل حين سمت أرواح الموحدين فوق حضيض الدنيا، ورضيت بأن تحرق أجسادها في أخدود الكفر لتحلق أرواحها في سماء التوحيد ولتتعانق في حواصل طير خضر في سماء الجنة، إن سورة البروج في القرآن ليست تسجيلًا لمذبحة شنيعة لا يسعنا سوى التألمُ لحال أصحابها، كلا، إن سورة البروج تسجيلٌ لانتصارٍ تاريخي لكلمة التوحيد على شرذمة الكفر، نعم لقد قهر أصحاب الأخدود أجسادَ الموحدين وأحرقوها لكنهم لم يهزموا ولا نفسَ طفلٍ واحد منهم، وليس القول بانتصار الموحدين يومها ضربًا من المبالغة أو تطييب الخواطر كلا، بل هو والله الانتصار الحقيقي، وأي انتصار لأهل التوحيد أعظم من شهادة الله تعالى لهم بالإيمان، وأي هزيمة على الكفار أشد من تربص عذابِ الحريق بهم، وأي حريق ...
وقل مثلَ هذا في لقطات الانتصار التاريخية لكلمة الحق على الباطل:
فلقد انتصرت كلمة الحق من ذي قبل حين قال هابيل: {لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} (المائدة 28) .
وانتصرت كلمة الحق حين قالت هيتَ لك فقال الكريم بن الكريم بن الكريم: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} (يوسف 23) .
وانتصرت كلمة الحق حينما قال سليمان عليه السلام: {أتمدوننِ بمالٍ فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون} (النمل 36) .
وانتصر الحق أيضًا يوم أن قذف الله تعالى نور الإيمان في قلوب سحرة فرعون فإذا أنصار الباطل بالأمس شهداء الحق اليوم: {فأُلقي السحرة سُجَّدًا قالوا آمنا برب هارون وموسى} (طه70) ، ولعل الانتصار قد بلغ ذروته حين استخف المؤمنون الجدد بعذاب الدنيا لما لاقوه من حلاوة الإيمان: {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} (طه 72) .