الصفحة 19 من 76

بقلم؛ وسيم فتح الله

كانت الآية تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوعد من الله تعالى بالمغفرة والرضوان والفوز بالجنة فيُشفق الصحابة على أنفسهم خشية ألا يكونوا من أهلها، ثم تنزل أخرى بالوعيد والسخط من الله تعالى نسأل الله العافية فيُشفق الصحابة رضوان الله عليهم على أنفسهم خشية أن يكونوا من أهلها.

فيا له من جيلٍ ويا لهم من صُحبةٍ اختارها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.

نزل قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ن فسُقط في أيدي الصحابة وهرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وأينا لم يظلم نفسه؟} فما زالوا وجلين مشفقين حتى نزل قوله تعالى مبيِّنًا: {إن الشرك لظُلمٌ عظيم} [لقمان: 31] .

ونزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] ، وكان ثابت بن قيس رضي الله عنه رفيع الصوت - أي عالي الصوت بطبعه - فخشي أن يكون ممن تشملهم الآية وأشفق على نفسه قائلًا: {أنا من أهل النار حبِط عملي} ، وجلس في أهله حزينًا حتى فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل من يستقصي أمره فلما أخبرهم بظنه أن الآية فيه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بل هو من أهل الجنة) - والقصة في البخاري -

وهكذا كان حال رجل من الأنصار رآه النبي صلى الله عليه وسلم محزونًا فسأله عن ذلك، فقال: (يا نبي الله، شيءٌ فكرت فيه) ، قال: (ما هو؟) ، قال: (نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدًا تُرفع مع النبيين فلا نصل إليك) ، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئًا فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا} [النساء: 69] [رواه ابن جرير وقد روي مرسلًا ومرفوعًا بأسانيد حسان كما ذكر ابن كثير] .

قلت: هكذا كانت تهمة القوم لأنفسهم مع حسن ظنهم بالله، يتهمون أنفسهم في مظان الزلل ويحسنون الظن بربهم حيث يذكرون قدره وحقه سبحانه وتعالى فتتضاءل أعمالهم في أعينهم أمام حق ربهم ومولاهم، يسمع أحدهم البشارة والوعد الجميل فلا يرى نفسه أهلًا لها بعمله بل يدفعه حبه لله تعالى وحسن ظنه بربه عز وجل إلى استشراف تلك المكانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت