الصفحة 20 من 76

تأمل بشارة النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألف من أمته الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقام عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعله منهم) [الحديث في الصحيحين] .

ولقد حاول أهل الشرك قديمًا أن يستميلوا النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ما يرضيهم في مقابل أن يقولوا ما يرضيه، ولكن كان المنهج القرآني لهم بالمرصاد: {فلا تُطع المكذبين. ودُّوا لو تُدهن فيُدهنون} [القلم: 8 - 9] ، وحاولوا فتنته صلوات الله وسلامه عليه ليرضيهم بالقول في مقابل الوعد بالمخاللة والمنَعة فكان المنهج القرآني لهم بالمرصاد: {وإن كادوا لَيفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا} [الإسراء: 73 - 74] .

ولما كانت أمانة الدعوة موروثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لحاملي لواء التوحيد؛ كان الوعيد الشديد من الله تعالى لمن ركن إلى أهل الكفر وأرضاهم: {إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا} [الإسراء: 75] ، والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فإن عصمة الله تعالى له تحول بينه وبين هذا الوعيد، حتى إذا امتنعت العصمة عن ورثة الدعوة عاد خطر المشيئة واقعًا متربصًا بمن تسوِّل له نفسه نيل رضا أهل الكفر وخِلتهم وركنهم بقولٍ أو فعل، ولما كانت مسؤولية الأنبياء أكبر كان العذاب المتوعد ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، فدل هذا على أن من زل في هاوية استرضاء الكفار من ورثة الدعوة فإنه متوعد بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ... فتأمل!

إن النظر فيما تقدم من سَنن الصحابة في محاسبة أنفسهم بمقتضى نصوص الوعد والوعيد، ثم التأمل في علامات الزلل في التعامل مع أهل الكفر - وهي؛ رضاهم عن الفرد ومخاللته ونصرته بكل ما أوتوا من قوة يركن إليها الفرد - أقول إن كل ذلك ليبعث في قلوبنا الروع والوجل عند تدبر حال بعض المتحكمين بدفة الأمة الإسلامية اليوم ممن يُغدق عليهم أهل الكفر والصليب بأوسمة الرضا وشهادات الابتهاج والسرور بما يفعلون ويقولون، وذلك حيث نقرأ قول الله عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [البقرة: 120] .

تأمل هذه الآية وتأمل من قائلها وتأمل ما غايتها؛ إن القائل هو الله سبحانه وتعالى ولا أصدق من الله قيلًا، وإن غايتها واضحة محدد تكاد تكون حصرية حيث اجتمع النفي والاستثناء، فليس من المبالغة أن نقول إن رضا أهل الصليب عن المنتسِب إلى الإسلام دليلٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت