قلت: نعم، هذا هو الأذان على الطريقة الأمريكية، وقد أتى به علماؤنا مراعاة لفقه الأقليات، حتى لا ينفر من صوت الأذان الأمريكيون والأمريكيات.
وتمالكت نفسي لأكمل الحكاية، بل هي اعتراف مني بالجريمة والجناية، وعلى كل حال يا ولدي الصغير، ألمَّ بنا آنذاك أمر خطير؛ وخشينا أن نخسر إن تفوهنا بالحقيقة، وآثرنا أن نعلن بولائنا لأمريكا، ولم تكن القضية بحاجة إلى تفكير، فلقد وجدنا من يساندنا بفقه التبرير، فأخفينا من القرآن نصوص القتال والجهاد، واكتفينا بترجمة آيات المحبة بين العباد، وقدمنا لأمريكا شتى طقوس الطاعة والانقياد، ولكن ذلك لم يكفِ وكان الطلب بازدياد، حتى كانت القاصمة التي منها لم نسلَم، حيث طلبوا من الجندي الأمريكي قتل أخيه المسلم!!
كيف، وبأي نصٍ أو اجتهاد؟ كيف يقتل المسلم أخاه بدلًا من أن يشاركه الجهاد؟
تحرجنا وحاك الإثم في الصدور، ولكن عاجلتنا فتاوى"المصالح"بالظهور، قالوا إن مصلحة الجماعة الإسلامية في أمريكا فوق كل المصالح، فلا بأس أن يشارك المسلم الأمريكي في هذه المذابح، بل قد يقترب الأمر التكليفي من الندب إلى الوجوب، ولا حرج البتة في الأمر ولا حاجة لك أن تتوب، فالفعل مباحٌ بل أمرٌ واجب، إذا خشيت أن يختل ولاؤك لبلد الكفر المحارب. وإن أنت أيها الجندي المسلم قُتلت في سبيل السلام والحريات، فتلك درجة الشهادة التي نلتها أعلى الدرجات, فاذهب وقاتل مع أصحاب الأخدود، قاتل إخوانك المسلمين فإنهم العدو اللدود.
وباركت أمريكا بالطبع هذه الإفتاء، وكافأت المسلمين في أمريكا بعيد الشهداء، فاذهب يا حفيدي وضع أكاليل الزهور، اذهب وضعها ولا تسل عمن في القبور؛ هم شهداء وإن كان اسمهم جون ومايكل ومونيكا، كيف لا وقد قُتلوا في سبيل أمريكا؟!
أما أنا فذاهبٌ لأبحث عن قبور المسلمين، الذين قُتلوا وهم لله وحده موالون، فإني قد مزقت الألوان الحمراء والبيضاء والزرقاء، ولقد كفرت بمن مات في سبيلها، وأعلنتها لله وحده عقيدة الولاء والبراء، نعم لقد كفرت بها ولن أقبل عن الإسلام بدل، ومهما قال الناس ورددوا: اعلُ هُبل، فإني قائلٌ أبدًا: الله أعز وأجل.