تأمل معي قوله سبحانه وتعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] ، ترى ما الفرق بين ذلك المؤمن الثابت المؤيَّد في الدارين وبين من حالُه كما وصف الله تعالى: {ومثلُ كلمةٍ خبيثة كشجرةٍ خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار} [إبراهيم: 26] ، أليس الفرق بينهما هو هذه الكلمة؟
والكلمة هي تعبير العبد الغيور عن غضبه حين تُنتهك حرمات ربه فيشتد لسانه بالنكير على من سولت له نفسه التجرؤ على محارم الله وحدوده، إن الكلمة هي الفارق بين ذلك العبد الغيور وبين ذلك الشيطان الأخرس الصامت الذي قد يتلبَّس بنسكٍ وعبادة ولكنه لا يبالي بالغضب والنكير على صاحب منكر ولو بكلمة طالما سلِمت له معايشه ورياسته وأمواله ودنياه.
إن الكلمة هي الفارق بين ذاك الأخرس وبين ذاك الذي يلبي أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ، نعم إنها الكلمة.
والكلمة هي الفيصل بين الحلال والحرام، بين الطيب والخبيث ولو أعجبك كثرة الخبيث، ألم تر إلى وفرة أسباب المجون والزنا واللواط والخنا في جنبات مجتمعات اليوم، ألم تعلم أن الفيصل بين ذلك الخبيث المحرَّم وبين الحلال الطاهر الطيب كلمة؛ أليس تملك بِضع زوجِك وتستحل هي بضعَك بزوَّجتُكَ وقَبِلتُ، وهل عقد الزواج هذا إلا كلمة.
وقد يستخف البعض بالكلمة فيهوي بذلك في أودية الردى والهلاك، في حين يجتهد غيره في العمل بالكلمة فيسعد بها، فها هو الرجل يشرب الخمر مرارًا وتكرارًا فلا يخرج بذلك عن كونه فاسقًا، في حين أن من لم يطعمها ولو مرةً في حياته يكفر لو استحل الخمر بكلمة! وها هو الرجل لا يبالي ما يزلُّ به لسانه من كلمات فإذا بها تكبّه على وجهه في نار جهنم، وغيره يتكلم بكلمات يرتقي بها درجات الجنة، وصدق المعصوم صلى الله عليه وسلم إذ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم) [صحيح البخاري] ، وإنما هي كلمة.
والكلمة هي منهج المسلم في حياته وخطة المسير في رحلته، قال صلى الله عليه وسلم: (قل ربي الله ثم استقم) [الترمذي] ، والكلمة هي طريق توبته عند الزلل قال تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37] ، والكلمة هي