غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه [البقرة - 173] ، فمن تجاوز المدارة إلى المداهنة فقد بغى واعتدى وخرج عن حد الإباحة قولًا واحدًا. ثم اعلم رحمك الله أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لما كان يفضي إليه من منكر أعظم هو الضرر المترتب على ذلك.
وهذا يحتاج منك أن تستحضر مراتب إنكار المنكر وتدرك أنه مهما أفضت مرتبة إلى حصول منكر أعظم من الذي تنكره صير إلى مرتبة الإنكار الأدنى حتى تقف عند الإنكار القلبي وهو متعين، ففي حين يشرع قتال الإمام للطوائف الممتنعة والباغية والمفارقة للجماعة في حال الأمن والاستقرار والشوكة فإنه لا يشرع في حال انفراط عقد الجماعة أو انشغاله بما هو أولى من قتال كافرٍ أصلي محارب وصائل ونحوه، وفي حين يشرع استحلال أعراض أهل البدع والفرقة بالتشهير بهم في زمن الأمن وظهور السنة تحذيرًا للناس منهم فإن الإعلان بذلك في زمن الفتنة والهرج قد يفضي إلى إراقة الدماء وسفكها فوجب التلطف في هذا الإنكار اللساني أو النزول إلى رتبة إنكار القلب بحسب الأحوال وهكذا.
وهذا النزول متعلق بفضح أعيانهم لا مناهجهم إن كان هؤلاء الأعيان ممن لهم شوكة يُخشى ضررها على أهل الإسلام، فتأمل هذا كله فإنه دقيق جدًا. فالحاصل أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لأعيانهم وذوي الشوكة منهم لا لمناهجهم وأصولهم التي لا تنقطع مجاهدتها بالبيان الأولى بالأولى، ولا يقوم أبدًا على الاستخذاء والاسترضاء لرؤوس