فإن ذلك ينتقل بهم من حال أهل البدعة والشبهة والتأويل بما لا يزول معه مسمى الإسلام بالضرورة إلى وصف الكفر والردة والعياذ بالله إذا ما انحازوا إلى معسكر الكفر بتواطؤ أو تعاون أو مظاهرة أو تأييد أو حتى تنظير وتقعيد وتلك والله هي المهلكة، والحاصل أن حال أهل الحق مع أهل البدعة كحال الطبيب من المريض يترفق به ويؤلفه حتى يتناول ويتقبل ما يصلح له من علاج لمرض قلبه وليس من دور الطبيب في شيء العمل على تنفير المريض من العلاج بالكلية.
وإنما يأخذه بالتدرج واللين وربما يرجئ بعض العلاجات إلى حين يكون المريض أكثر تقبلًا لها، والحاصل أن شدة الإنكار على أهل البدعة في وقت الفتنة وانكشاف المسلمين قد يزين لهم اللحوق بمعسكر الكفر بأي شكل من أشكال اللحوق وهذا مفضٍ إلى الضرر عليهم بانتقالهم إلى الكفر المحقق وإلى الضرر بالمسلمين فمن جهة ما يفتُّون به في عضد المسلمين حيث يكشفون للعدو عوراتهم ويخذلونهم في أحرج الحالات والأوقات ويتجسسوا لصالح العدو ونحوه. فالتألف والمداراة دفع لأعظم الضررين بالنسبة لكل من أهل الحق وأهل البدعة وإرجاء للتعامل الحاسم مع أهل البدعة إلى حين انطفاء نار الفتنة وعودة الشوكة لأهل الحق فينفوا عن أهل الشبهات شبهاتهم ويبينوا لأهل التأويل الفاسد فساد تأويلهم ويقاتلوا من امتنع بعد قيام الحجة عليهم قتال البغاة تحت إمرة الإمام بلا هرج ولا فتنة زائدة.
رابعًا: إن مداراة أهل البدعة زمن الفتنة لا يعطل جهادهم بالبيان:
وهذا الأصل مفرع على معرفة أن جهاد أهل البدعة يشرع بالقرآن كما يشرع أحيانًا بالقوة والسلطان، ولقد تقدم أن زمن الفتنة زمن مداراة