الصفحة 15 من 60

مُستفزًا للعلماء الذين عاصروه والذين جاؤوا بعده, يقول:"كل من لم يتحقَّق بالعلوم الكلامية فإنَّه لا يُوثَق بعلمه واجتهاده".

فكان ذلك سببًا لانهماك العلماء في هذه العلوم، حتى إن الواحد منهم صار إذا ألَّف كتابًا صار يخلط هذه العلوم بهذا الفن وإن كان لا يَمَتُّ إليها بصلة؛ ليثبت تحصيله لتلك المراتب العالية -مراتب المجتهدين- كما زعم الغزالي, وليطرد عن نفسه الجهل، ولئلَّا يُتَّهم بأنه لم يبلغ تلك المراتب.

فصارت تلك العلوم تُخلَط في العقائد، وهذه هي الخطورة، فصارت كتب العقيدة عند كثيرٍ من هؤلاء المنحرفين كتب كلامٍ وجدلٍ وشكوكٍ وشُبُهات وحُجَج متهافتة يضرب بعضها بعضًا وينقُض بعضها بعضًا, ولا تُورِث علمًا ولا تُورث خيرًا ولا تُورث يقينًا، وإنما تُورث شكوكًا وطُعونًا في أصول الاعتقاد، كما قال بعضهم مُصَوِّرًا الحالة التي وصل إليها بعدما خاض ذلك البحر الخِضَم وترك علوم أهل الإسلام، يقول:

نهاية إقدام العالمين ضلالُ ... وغاية دُنيانًا أذىً ووبالُ

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أنْ جمعنا فيه قِيل وقالوا

وكم من جبالٍ علا شرفاتُها رجالٌ فزالوا والجبال جبالُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت