فهو لا يُصَوِّرُ حال المطمئنين بالإيمان والرَّاسخين بالعلم ممن عرفوا حقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يصوِّر حال أولئك المُتهوِّكين الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة واشتغلوا بهذه العلوم الضارة.
وفي كل عصرٍ يخرج للناس قرنٌ يبدو لهم بصورة تستهويهم، فيتكالبون عليه ويشتغلون به ويُعرضون عن العلوم النافعة ويظنُّون أن ذلك يزيدهم قربًا عند الله عز وجل ورفعةً، ولا يستبينون ما فيه إلا بعد فوات الأوان، وانصرام القرون، وهلاك أُمَم ممن تشاغلوا به عمَّا هم بصدده، وعما يُجَلِّي لهم الطريق التي أمرهم الله عز وجل بسلوكها ..
فهذه العلوم الكلامية والمناهج الفلسفية والقواعد العقلية التي تُرَدُّ بها النصوص؛ لأنها بزعمهم تُعارض هذه القواعد، وأنَّ هذه القواعد موازين يوزَن بها الوحي والنص، وأن كل نصٍ عارضها أو ناقضها فهو مردود، مع أنَّنا نعلم علمًا جازمًا -أيها الإخوان- أنَّ الوحي لا يُمكن أن يُعارض العقل الصحيح، وأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- جاؤوا بمَحَارات العقول ولم يأتوا بمُحالات العقول؛ نعم, يأتون بأشياء لا تُدركها العقول, ولا تصل إليها وتتوقَّف فيها، لكن لا يمكن أن يأتي الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام بأمرٍ- تُنكره العقول، وقد قيل لأعرابيٍ على فطرته وسجيَّته، آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقيل له: بأي شيءٍ عرفت أنَّه رسول الله؟ فقال على