وكذا ما جاء عن السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-؛ لأننا إنما نفهم الكتاب والسنة بضابطٍ واضح جَلِيّ وهو أن نفهمها على فهم السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-، وأن نعرف مواطن الإجماع ومواطن الخلاف لئلَّا نقع في أمورٍ قبيحة كخرق الإجماع ومخالفته، ولذلك لا يمكن لأحد أن يكون متحقِّقًا بالعلم إلا بعد أن يعرف مواطن الإجماع ومواطن الخلاف؛ لئلَّا يأتي بالعجائب، ولئلَّا يقول قولًا لم يُسبق إليه، فالنظر في كلام السلف -رضي الله تعالى عنهم- مطلوب, ولهذا يقول الأوزاعي -رحمه الله-:"العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان غير ذلك فليس بعلم", وكذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-.
إذًا هذه هي العلوم التي تنفع العبد، وهي رأس العلوم، وهي التي تُورِثه الخشية كما قال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] , وليس المراد بذلك العلماء بالعلوم الطبيعية فإن هذه العلوم لا تورث خشية، وإنما المقصود به العلماء بالله عز وجل، والعلماء بأمره ونهيه وشرائعه وحلاله وحرامه وحدوده، والعلماء بالدار التي يصير إليها الخلق وما فيها من النعيم المُقيم والعذاب الأليم؛ فإنَّ ذلك لا شك أنَّه يَحْدُوهم حَدْوًا إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى الخوف منه وتعظيمه وإجلاله ومراقبة حدوده.