الصفحة 48 من 60

وقد جاء من حديث أبي أمامة مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ضلَّ قوم بعد هُدى إلا أُوتوا الجَدَل) ، ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الإسراء: 58] .

ولهذا يقول بعض السلف كمعروف الكرخي:"إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل".

قيل لمالك: الرجل يكون عالمًا بالسُّنن يُجادل عنها؟ قال:"لا، ولكن يُخبِر بالسُّنة، فإن قُبِل منه وإلا سكت"، وكان يقول:"المِراء والجِدال في العلم يذهب بنور العلم"، ويقول:"والمِراء في العلم يُقسِّي القلب ويورث الضِّغن".

وهذا إبراهيم النخعي من علماء التابعين يقول:"ما خاصمتُ قطُّ"، ويقول عبد الكريم الجزري:"ما خاصم ورِعٌ قطّ"، ويقول عمر بن عبد العزيز:"إذا سمعتَ المِراء فأقصِر"؛ المراء هو الجدل العقيم الذي لا يُورِث نتيجة، فكل واحد من المتجادِلَيْن يريد أن يقرّر قوله ويحقق رأيه، فهذا لا حاجة لمناقشته، ولا تضييع الزَّمان فيه.

ومثل هذا الذي أعرض عن العمل جزاءً وِفاقًا لأنَّ من كلَّفه الله عز وجل بشيء فتركه فإن الله يُورِثه أمرًا يشتغل به مما يضرُّه، كما قال الله عز وجل لبني إسرائيل حينما أنزل عليهم المنَّ والسلوى، قالوا لموسى -عليه الصلاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت