والشاطبي نقل وكذلك ابن عبد البَرِّ في [جامع بيان العلم] ذكر روايات كثيره جدًا عن الإمام مالك أنه ربما سئل عن أربعين مسألة ولا يجيب إلا عن مسألتين أو ثلاث مسائل، ولربما جاءه الرجل مسافة ستة أشهر ليعرِض عليه بعض المسائل ولا يجيب. جاء ذلك في كثير من الروايات وهو إمام دار الهجرة.
وأما الذي لم يتحقَّق بالعلم النافع فلا نجِده كذلك، فهو يتكلَّف ما لا يعلم ويتكلَّم من غير برهان عنده من الله، يقول الإمام مالك -رحمه الله-:"أدركتُ أهل هذه البلدة -يعني المدينة- وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم"، يريد المسائل، وكان يعيب كثرة الكلام والفُتيا، ويقول:"يتكلَّم أحدهم كأنه جملٌ مُغتَلِم، يقول: هو كذا هو كذا يهدِر في كلامه، يعني يُفتي عن كل مسألة يُسأل عنها من المسائل الواضحة والغامضة"، وكان يكره الجواب في كثرة المسائل ويقول:"قال الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] ، فلم يأتِه في ذلك جواب".
· الرابع من سمات هذا العلم النافع أيها الإخوة: أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وطلب الرئاسة والشهرة.