فهرس الكتاب
حتى قال بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي بأن المقالة التي تُذكر في كتاب الله -تبارك وتعالى- إن لم يرِد قبلها أو في ثناياها أو بعدها ما يدل على إبطالها فإنها تكون مُقرَّةً صحيحة غالبًا، هذه قاعدة، نجد أن الله -تبارك وتعالى- أخبر عن فعل المشركين: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فردَّ واحدة وسكت عن الأخرى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وسكت عن الأولى: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} لأنها صحيحة، فهنا نجد الردود القرآنية كثيرة.
النوع الثاني: وهو ما قصَّه الله -تبارك وتعالى- من المُحاجَّة بين الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وخصومهم؛ المحاجة بين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم وقومه-، محاجَّة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للنمرود، ومحاجَّته -عليه الصلاة والسلام- لعَبَدة الكواكب، فهذا في كتاب الله -تبارك وتعالى-.
أما في السنة فيوجد من هذا أيضًا أشياء، وهذا ما ورد عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فقد ناظروا أهل الأهواء وأقاموا عليهم الحجة، كما فعل علي وابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- مع الخوارج، وهكذا ورد عن التابعين -رضي الله تعالى عن الجميع-، كما فعل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مع الخوارج وهكذا ناظر غيلان الدمشقي في القدر، إذا كان هذا كله ورد من التحذير والذم وكذلك أيضًا التقرير أو الحث وكذلك أيضًا الردود العملية فهذه ثلاثة أنواع.
فكيف نستخلص الموقف الشرعي من هذه المنقولات والآثار والروايات جميعًا؟
فنستطيع أن نقول: بأنه لا مُنافاة بين هذه المنقولات، فهذا الذي قد رخّصوا فيه، أو هذا الذي قد وقع وأخبر عنه القرآن أو ورد في السنة أو فعله السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم- يختلف عن المخاصمة والمجادلة التي ورد النهي عنها؛ إذ إن الجدال منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم؛ فهناك أحوال يُمنع فيها الرد والمجادلة والمخاصمة، وهذا يرجع إلى أحد اعتبارات ثلاثة، في هذه الاعتبارات يمتنعون من المجادلة والمخاصمة والسماع من هؤلاء أصلًا: